بحار الانوار الجزء 19
بسمه تعالى
بحار الانوار مجلد: 19 من ص 1 سطر 1 الى ص 8 سطر 18
[ 1 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
5 .
( باب )
* ( دخوله الشعب وما جرى بعده إلى الهجرة ، وعرض نفسه على ) *
* ( القبائل ، وبيعة الانصار ، وموت أبى طالب وخديجة رضى الله عنهما ) *
1 - عم ، ص : اجتمعت قريش في دار الندوة وكتبوا صحيفة بينهم أن لا
يؤاكلوا بني هاشم ولا يكلموهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يزوجوهم ، ولا يتزوجوا إليهم ،
ولا يحضروا معهم حتى يدفعوا إليهم محمدا فيقتلونه ، وإنهم يد واحدة على محمد
يقتلونه
غيلة أو صراحا ، فلما بلغ ذلك أبا طالب جمع بني هاشم ودخلوا الشعب وكانوا أربعين
رجلا ، فحلف لهم أبوطالب بالكعبة والحرم والركن والمقام إن شاكت محمدا شوكة
لاثبن ( 1 ) عليكم يا بني هاشم ، وحصن الشعب ، وكان يحرسه بالليل والنهار ، فإذا
جاء الليل يقوم بالسيف عليه ، ورسول الله صلى الله عليه وآله مضطجع ، ثم يقيمه
ويضجعه في موضع
آخر فلا يزال الليل كله هكذا ، ويوكل ولده وولد أخيه به يحرسونه بالنهار
فأصابهم الجهد ، وكان من دخل مكة من العرب لا يجسر أن يبيع من بني هاشم
شيئا ومن باع منهم شيئا انتهبوا ماله ، وكان أبوجهل والعاص بن وائل السهمي و
النضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط يخرجون إلى الطرقات التي ، تدخل
مكة ، فمن رأوه معه ميرة ( 2 ) نهوه أن يبيع من بني هاشم شيئا ، ويحذرون إن باع
شيئا منهم أن ينهبوا ماله ، وكانت خديجة رضي الله عنها لها مال كثير فأنفقته على
* ( هامش ) * ( 1 ) لعل الاصح ، لاتين عليكم . يقال : أتى عليه الدهر أى أهلكه .
( 2 ) الميرة : الطعام .
[ 2 ]
رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب ، ولم يدخل في حلف الصحيفة مطعم بن عدي بن
نوفل
ابن عبدالمطلب بن عبد مناف ، وقال : هذا ظلم ، وختموا الصحيفة بأربعين خاتما
ختمها كل رجل من رؤساء قريش بخاتمه ، وعلقوها في الكعبة ، وتابعهم على ذلك
أبولهب ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج في كل موسم فيدور على قبائل العرب
، فيقول
لهم : تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربكم ، وثوابكم الجنة على الله ، و
أبولهب في أثره فيقول : لا تقبلوا منه ، فإنه ابن أخي وهو - كذاب ساحر ، فلم يزل
هذا حالهم ، ( 1 ) وبقوا في الشعب أربع سنين ، لا يأمنون إلا من موسم إلى موسم ،
ولا
يشترون ولا يبايعون ( 2 ) إلا في الموسم ، وكان يقوم بمكة موسمان في كل سنة . موسم
العمرة في رجب ، وموسم الحج في ذي الحجة ، فكان إذا اجتمعت المواسم تخرج
بنو هاشم من الشعب فيشترون ويبيعون ، ثم لا يجسر أحد منهم أن يخرج إلى
الموسم الثاني ، وأصابهم الجهد وجاعوا ، وبعثت قريش إلى أبي طالب : ادفع إلينا
محمدا
حتى نقتله ، ونملكك علينا ، فقال أبوطالب رضي الله عنه قصيدته اللامية يقول
فيها :
ولما رأيت القوم لا ود فيهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل
ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعني بقول الاباطل
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل
يطوف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله يبزى محمد ( 3 ) * ولما نطاعن دونه ونقاتل ( 4 )
ونسلمه حتى نصرع دونه * ونذهل عن أبنائنا والحلائل
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة : هذا حاله .
( 2 ) في نسخة : ولا يبيعون .
( 3 ) في النهاية : في قصيدة أبى طالب يعاتب قريشا في أمر النبى صلى الله عليه وآله
:
كذبتم وبيت الله يبزى محمد * ولما نطاعن دونه ونناضل
يبزى : يقهر ويغلب ، أراد لا يبزى ، فحذف " لا " من جواب القسم وهى مرادة ، أى
لايقهر
ولم نقاتل عنه وندافع .
( 4 ) في نسخة : ونناضل .
[ 3 ]
لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وأحببته حب الحبيب المواصل
وجدت بنفسي دونه وحميته * ودارأت ( 1 ) عنه بالذرى والكواهل ( 2 )
فلا زال في الدنيا جمالا لاهلها * وشيئا لمن عادى وزين المحافل
حليما رشيدا حازما غير طائش * يوالي إله الحق ليس بما حل ( 3 )
فأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل
فلما سمعوا هذه القصيدة آيسوا منه ، وكان أبوالعاص بن الربيع - وهو ختن
رسول الله - يأتي بالعير بالليل عليها البر والتمر إلى باب الشعب ، ثم يصيح بها
فتدخل
الشعب فيأكله بنو هاشم ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " لقد صاهرنا
أبوالعاص فأحمدنا
صهره ، لقد كان يعمد إلى العير ونحن في الحصار فيرسلها في الشعب ليلا " ولما أتى
على رسول الله في الشعب أربع سنين بعث الله على صحيفتهم القاطعة دابة الارض
فلحست جميع ما فيها من قطيعة وظلم ، ( 4 ) وتركت " باسمك اللهم ( 5 ) " ونزل
جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بذلك ، فأخبر رسول الله أبا طالب ،
فقام أبوطالب
ولبس ثيابه ثم مشى حتى دخل المسجد على قريش وهم مجتمعون فيه ، فلما أبصروه
قالوا : قد ضجر أبوطالب ، وجاء الآن ليسلم ابن أخيه ، فدنا منهم وسلم عليهم فقاموا
إليه وعظموه وقالوا : قد علمنا يا أبا طالب أنك أردت مواصلتنا ، والرجوع إلى
جماعتنا ، وأن تسلم ابن أخيك إلينا ، قال : والله ما جئت لهذا ، ولكن ابن أخي
أخبرني
ولم يكذبني أن الله تعالى أخبره أنه بعث على صحيفتكم القاطعة دابة الارض فلحست
* ( هامش ) * ( 1 ) أى دافعت عنه .
( 2 ) في نسخة : والكواكل . أقول : الذرى : أعلى الشئ ، أراد به الرؤوس ، والكواهل
جمع
الكاهل : أعلى الظهر مما يلى العنق . والكلاكل جمع الكلكل : الصدر أو ما بين
الترقوتين .
( 3 ) في النهاية : وما حل مصدق أى خصم يجادل ، وقيل : ساع ، من قولهم : محل بفلان
:
إذا سعى به إلى السلطان :
( 4 ) في المصدر : من قطيعة رحم وظلم وجور ، وتركت اسم الله .
( 5 ) في نسخة : باسم إله .
[ 4 ]
جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور ، وترك اسم الله ، فابعثوا إلى صحيفتكم
فإن كان حقا فأتقوا الله وارجعوا عما أنتم عليه من الظلم والجور وقطيعة الرحم
وإن كان باطلا دفعته إليكم ، فإن شئتم قتلتموه ، وإن شئتم استحييتموه ، فبعثوا
إلى الصحيفة وأنزلوها من الكعبة وعليها أربعون خاتما ، فلما أتوا بها نظر كل
رجل منهم إلى خاتمه ثم فكوها فإذا ليس فيها حرف واحد إلا " باسمك اللهم "
فقال لهم أبوطالب : يا قوم اتقوا الله ، وكفوا عما أنتم عليه ، فتفرق القوم ولم
يتكلم
أحد ، ورجع أبوطالب إلى الشعب . ( 1 )
2 - عم : وقال في ذلك قصيدته البائية التي أولها :
ألا من لهم آخر الليل منصب * وشعب العصا من قومك المتشعب ( 2 )
وفيها :
وقد كان في أمر الصحيفة عبرة * متى ما يخبر غائب القوم يعجب
محا الله منها كفرهم وعقوقهم * وما نقموا من ناطق الحق معرب
وأصبح ما قالوا من الامر باطلا * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب
وأمسى ابن عبدالله فينا مصدقا * على سخط من قومنا غير معتب
ولا تحسبونا مسلمين محمدا * لذي عزة منا ( 3 ) ولا متعزب
ستمنعه منا يد هاشمية * مركبها في الناس خير مركب ( 4 )
3 - ص : وقال عند ذلك نفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش
ولدتهم نساء بني هاشم منهم مطعم بن عدي بن عامر بن لوي - وكان شيخا كبيرا كثير
المال له أولاد - وأبوالبختري بن هشام ، وزهير بن امية المخزومي في رجال من أشرافهم
نحن برآء مما في هذه الصحيفة ، فقال أبوجهل : هذا أمر قضي بليل ، وخرج النبي
* ( هامش ) * ( 1 ) اعلام الورى : 32 - 34 ، قصص الانبياء : مخطوط .
( 2 ) في المصدر : وشعب القضا من قومك المتشعب .
( 3 ) في المصدر : لذى عزة فينا .
( 4 ) اعلام الورى : 13 .
[ 5 ]
صلى الله عليه وآله ورهطه من الشعب وخالطوا الناس ، ومات أبوطالب بعد ذلك
بشهرين ، وماتت خديجة رضي الله عنها بعد ذلك ، وورد على رسول الله صلى الله عليه
وآله أمران
عظيمان ، وجزع جزعا شديدا ، ودخل على أبي طالب وهو يجود بنفسه وقال : يا
عم ربيت صغيرا ، ونصرت كبيرا ، وكفلت يتيما ، فجزاك الله عني خير الجزاء
أعطني كلمة أشفع لك بها عند ربي . ( 1 )
قال ابن عباس : فلما ثقل أبوطالب رئي يحرك شفتيه ، فأصغى إليه
العباس ( 2 ) يسمع قوله ، فرفع العباس [ عنه ] رأسه وقال : يا رسول الله والله قد
قال
الكلمة التي سألته إياها .
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله عارض جنازة أبي
طالب
فقال : وصلت رحما ، ( 3 ) وجزيت خيرا يا عم . ( 4 )
4 - عم : وذكر محمد بن إسحاق بن يسار أن خديجة بنت خويلد وأبا طالب
رضي الله عنهما ماتا في عام واحد ، وتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وآله
المصائب بهلاك خديجة و
أبي طالب ، وكانت خديجة وزيرة صدق على الاسلام ، وكان يسكن إليها .
وذكر أبوعبدالله بن منده في كتاب المعرفة أن وفاة خديجة كانت بعد وفاة
أبي طالب بثلاثة أيام ، وزعم الواقدي أنهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث
سنين ، وفي هذه السنة توفيت خديجة وأبوطالب وبينهما خمس وثلاثون ليلة . ( 5 )
5 - عم : في كتاب دلائل النبوة عن الزهري قال : كان رسول الله يعرض نفسه
* ( هامش ) * ( 1 ) لعله صلى الله عليه وآله قال ذلك ، لان أبا طالب رضى الله عنه
كان يتقى من قومه
ويكتم إسلامه فأراد أن يعلم قومه ذلك ، هذا بعد فرض صحة الرواية ووقوع ذلك ، وإلا
فالرواية
كما ترى مرسلة .
( 2 ) فيه تأمل فان العباس كان حينذاك في حزب المشركين ولم يكن أسلم ، وبقى كذلك
إلى أن أسلم في غزوة بدر الكبرى .
( 3 ) في النسخة : وصلتك رحم .
( 4 ) قصص الانبياء : مخطوط .
( 5 ) اعلام الورى : 35 .
[ 6 ]
على قبائل العرب في كل موسم ، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا
أن يؤووه ويمنعوه ، ويقول : لا أكره أحدا منكم على شئ ، من رضي منكم بالذي
أدعوه إليه فذاك ، ومن كره لم اكرهه ، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من
القتل حتى ابلغ رسالات ربي ، وحتى يقضي الله عزوجل لي ولمن صحبني بما
شاء الله ، فلم يقبله أحد منهم ، ولم يأت أحدا من تلك القبائل إلا قال : قوم الرجل
أعلم به ، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه ؟ فلما توفي أبوطالب
اشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وآله أشد ما كان ، فعمد لثقيف بالطائف
رجاء أن يؤووه
فوجد ثلاثة نفر منهم هم ساداة ثقيف يومئذ وهم إخوة : عبد ياليل بن عمرو ، وحبيب
ابن عمرو ، ومسعود بن عمرو ، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما انتهك منه
قومه ، فقال أحدهم : أنا أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشئ قط ، وقال
الآخر : أعجز على الله أن يرسل غيرك ؟ وقال الآخر : والله لا اكلمك بعد مجلسك
هذا أبدا ، والله لئن كنت رسول الله لانت أعظم شرفا من أن أكلمك ، ولئن كنت
تكذب على الله لانت شر من أن أكلمك ، وتهزؤوا به ، وأفشوا في قومهم الذي
راجعوه به ، فقعدوا له صفين على طريقه ، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وآله بين
صفيهم كان
لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة ، وقد كانوا أعدوها حتى أدموا
رجليه ، فخلص منهم ورجلاه تسيلان الدماء ، فعمد إلى حائط من حوائطهم واستظل
في ظل حبلة ، ( 1 ) وهو مكروب موجع ، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن
ربيعة ، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله ، ولما رأياه
أرسلا
إليه غلاما لهما يدعى عداس وهو نصراني من أهل نينوى معه عنب ، فلما جاءه عداس
قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : من أي أرض أنت ؟ قال : أنا من أهل نينوى ،
فقال صلى الله عليه وآله :
من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال له عداس : وما يدريك من يونس بن
متى ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله - وكان لا يحقر أحدا أن يبلغه رسالة
ربه - : أنا
رسول الله ، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى ، فلما أخبره بما أوحى الله إليه
* ( هامش ) * ( 1 ) حبله : شجر العنب أو قضبانه . وفى المصدر ، في ظل شجرة منهم .
[ 7 ]
من شأن يونس بن متى خر عداس ساجدا لله وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان
الدماء ، فلما بصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهكا سكتا ، فلما أتاهما قالا له : ما
شأنك
سجدت لمحمد ، وقبلت قدميه ولم نرك فعلته بأحد منا ؟ قال : هذا رجل صالح أخبرني
بشئ عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى ، فضحكا وقالا :
لا يفتننك عن نصرانيتك فإنه رجل خداع ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله
إلى مكة .
قال علي بن إبراهيم بن هاشم : ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من الطائف و
أشرف على مكة وهو معتمر كره أن يدخل مكة وليس له فيها مجير ، فنظر إلى
رجل من قريش قد كان أسلم سرا فقال له : ائت الاخنس بن شريق فقل له : إن
محمدا يسألك أن تجيره حتى يطوف ويسعى فإنه معتمر ، فأتاه وأدى إليه ما قال
رسول الله ، فقال الاخنس : إني لست من قريش ، وإنما أنا حليف فيهم ، والحليف
لا يجير على الصميم ، وأخاف أن يخفروا جواري فيكون ذلك مسبة ( 1 ) ، فرجع إلى
رسول الله فأخبره ، وكان رسول الله في شعب حراء مختفيا مع زيد ، فقال له : ائت سهيل
ابن عمرو فاسأله أن يجيرني حتى أطوف بالبيت وأسعى ، فأتاه وأدى إليه قوله ، فقال
له : لا أفعل ، فقال له رسول الله : اذهب إلى مطعم بن عدي فاسأله أن يجيرني حتى
أطوف وأسعى ، فجاء إليه وأخبره ، فقال : أين محمد ؟ فكره أن يخبره بموضعه ، فقال :
هو قريب ، فقال : ائته فقل له : إني قد أجرتك ، فتعال وطف واسع ما شئت ، فأقبل
رسول الله صلى الله عليه وآله وقال مطعم لولده وأختانه ( 2 ) ، وأخيه طعيمة بن عدي
: خذوا سلاحكم
فإني قد أجرت محمدا ، وكونوا حول الكعبة حتى يطوف ويسعى ، وكانوا عشرة
فأخذوا السلاح وأقبل رسول الله حتى دخل المسجد ، ورآه أبوجهل فقال : يا معشر
قريش هذا محمد وحده ، وقد مات ناصره ، فشأنكم به ، فقال له : طعيمة بن عدي :
* ( هامش ) * ( 1 ) يقال : هو من صميم القوم أى من أصلهم وخالصهم . وخفر فلانا
وأخفره : نقض عهده
وغدر به . والمسبة : السب .
( 2 ) أختان جمع الختن : زوج الابنة . كل من كان من قبل المرأة مثل الاب والاخ .
[ 8 ]
يا عم لا تتكلم فإن أبا وهب قد أجار محمدا ، فوقف أبوجهل على مطعم بن عدي
فقال : أبا وهب أمجير أم صابئ ( 1 ) ؟ قال : بل مجير ، قال : إذا لا نخفر جوارك ،
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من طوافه وسعيه جاء إلى مطعم فقال :
أبا وهب ! قد أجرت وأحسنت ، فرد علي جواري ، قال : وما عليك أن تقيم في
جواري ؟ قال : أكره أن اقيم في جوار مشرك أكثر من يوم ، قال مطعم : يا معشر
قريش إن محمدا قد خرج من جواري .
قال علي بن إبراهيم : قدم أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس في موسم من مواسم
العرب وهما من الخزرج ، وكان بين الاوس والخزرج حرب قد بقوا فيها دهرا طويلا
وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار ، وكان آخر حرب بينهم يوم بعاث ،
وكانت للاوس على الخزرج ، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكة في عمرة رجب
يسألون الحلف على الاوس ، وكان أسعد بن زرارة صديقا لعتبة بن ربيعة فنزل عليه
فقال له : إنه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناك نطلب الحلف عليهم ، فقال له
عتبة : بعدت دارنا من داركم ، ولنا شغل لا نتفرغ لشئ ، قال : وما شغلكم وأنتم
في حرمكم وأمنكم ؟ قال له عتبة : خرج فينا رجل يدعي أنه رسول الله ، سفه أحلامنا
وسب آلهتنا ، وأفسد شباننا ، وفرق جماعتنا ، فقال له أسعد : من هو منكم ؟ قال :
ابن عبدالله بن عبدالمطلب من أوسطنا شرفا ، وأعظمنا بيتا ، وكان أسعد وذكوان و
جميع الاوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم : النضير وقريظة وقينقاع
أن هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة لنقتلنكم به يا معشر العرب
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 19 من ص 8 سطر 19 الى ص 16 سطر 18
فلما سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود ، قال : فأين هو ؟ قال :
جالس في الحجر ، وإنهم لا يخرجون من شعبهم إلا في الموسم ، فلا تسمع منه ولا
تكلمه فإنه ساحر يسحرك بكلامه ، وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب
فقال له أسعد : فكيف أصنع وأنا معتمر لابد لي أن أطوف بالبيت ؟ قال : ضع في
اذنيك القطن ، فدخل أسعد المسجد وقد حشا أذنيه بالقطن ، فطاف بالبيت ورسول الله
* ( هامش ) * ( 1 ) صبأ فلان ، إذا خرج من دين إلى دين آخر .
[ 9 ]
جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم ( 1 ) ، فنظر إليه نظرة فجازه ، فلما كان في
الشوط الثاني قال في نفسه : ما أجد أجهل مني ( 2 ) ؟ أيكون مثل هذا الحديث بمكة
فلا أتعرفه حتى أرجع إلى قومي فاخبرهم ، ثم أخذ القطن من اذنيه ورمى به ، و
قال لرسول الله : أنعم صباحا ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه وقال :
قد أبدلنا الله
به ما هو أحسن من هذا ، تحية أهل الجنة : السلام عليكم ، فقال له أسعد : إن
عهدك بهذا لقريب ، إلى ما تدعو يا محمد ؟ قال : إلى شهادة أن لا إله إلا الله ،
وأني رسول -
الله ، وأدعوكم إلى " أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم
من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا
النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون * ولا تقربوا
مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط
لا نكلف نفسا إلا وسعها ، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم
وصاكم به لعلكم تذكرون ( 2 ) " .
فلما سمع أسعد هذا قال له : أشهد أن لا إله إلا الله . وأنك رسول الله ، يا
رسول الله بأبي أنت وأمي ، أنا من أهل يثرب من الخزرج ، وبيننا وبين إخوتنا من
الاوس حبال مقطوعة ، فإن وصلها الله بك ، ولا أجد أعز منك ، ومعي رجل من قومي
فإن دخل في هذا الامر رجوت أن يتمم الله لنا أمرنا فيك ، والله يا رسول الله لقد
كنا
نسمع من اليهود خبرك ، ويبشروننا بمخرجك ، ويخبروننا بصفتك ، وأرجو أن
يكون دارنا دار هجرتك عندنا ( 4 ) ، فقد أعلمنا اليهود ذلك ، فالحمد لله الذي ساقني
إليك ، والله ما جئت إلا لنطلب الحلف على قومنا ، وقد آتانا الله بأفضل مما أتيت له
ثم أقبل ذكوان فقال له أسعد : هذا رسول الله الذي كانت اليهود يبشرنا به ، وتخبرنا
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة : وعنده قوم من بنى هاشم .
( 2 ) في نسخة : ما أحد أجهل منى .
( 3 ) الانعام : 151 و 152 .
( 4 ) في المصدر ، عندنا مقامك .
[ 10 ]
بصفته ، فهلم فأسلم ، فأسلم ذكوان ، ثم قالا : يا رسول الله ابعث معنا رجلا يعلمنا
القرآن ، ويدعو الناس إلى أمرك ، فقال رسول الله لمصعب بن عمير ، وكان فتى حدثا
مترفا بين أبويه يكرمانه ويفضلانه على أولادهم ولم يخرج من مكة ، فلما أسلم
جفاه أبواه ، وكان مع رسول الله في الشعب حتى تغير وأصابه الجهد ، وأمره رسول -
الله بالخروج مع أسعد ، وقد كان تعلم من القرآن كثيرا ، فخرجا إلى المدينة و
معهما مصعب بن عمير فقدموا على قومهم وأخبروهم بأمر رسول الله وخبره ، فأجاب
من كل بطن الرجل والرجلان ، وكان مصعب نازلا على أسعد بن زرارة ، وكان
يخرج في كل يوم فيطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الاسلام فيجيبه
الاحداث ( 1 ) ، وكان عبدالله بن ابي شريفا في الخزرج ، وقد كان الاوس والخزرج
اجتمعت على أن يملكوه عليهم لشرفه وسخائه ، وقد كانوا اتخذوا له إكليلا ( 2 )
احتاجوا في تمامة إلى واسطة كانوا يطلبونها ، وذلك أنه لم يدخل مع قومه الخزرج
في حرب بعاث ، ولم يعن على الاوس ، وقال : هذا ظلم منكم للاوس ، ولا اعين على
الظلم ، فرضيت به الاوس والخزرج ، فلما قدم أسعد كره عبدالله ما جاء به أسعد و
ذكوان وفتر أمره ، فقال أسعد لمصعب : إن خالي سعد بن معاذ من رؤساء الاوس وهو
رجل عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف ، فإن دخل في هذا الامر تم لنا أمرنا
فهلم نأتي محلتهم ، فجاء مصعب مع أسعد إلى محلة سعد بن معاذ فقعد على بئر من
آبارهم ، واجتمع إليه قوم من أحداثهم ، وهو يقرأ عليهم القرآن ، فبلغ ذلك سعد
ابن معاذ ، فقال لاسيد بن حضير وكان من أشرافهم : بلغني آن أبا أمامة أسعد بن
زرارة قد جاء إلى محلتنا مع هذا القرشي يفسد شباننا ، فائته وانهه عن ذلك فجاء
أسيد ( 3 ) بن حضير فنظر إليه أسعد فقال لمصعب : إن هذا رجل شريف فإن دخل
في هذا الامر رجوت أن يتم أمرنا ، فاصدق الله فيه ، فلما قرب أسيد منهم قال :
* ( هامش ) * ( 1 ) جمع الحدث : الشاب .
( 2 ) الاكليل : التاج .
( 3 ) اسيد كزبير ، ويقال لابيه : حضير الكتائب
[ 11 ]
يا أبا أمامة يقول لك خالك : لا تأتنا في نادينا ( 1 ) ، ولا تفسد شباننا ، واحذر
الاوس
على نفسك ، فقال مصعب : أو تجلس فنعرض عليك أمرا ، فان أحببته دخلت فيه ،
وإن كرهته نحينا عنك ما تكره ، فجلس فقرأ عليه سورة من القرآن فقال : كيف
تصنعون إذا دخلتم في هذا الامر ؟ قال : نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين ، ونشهد
الشهادتين ، ونصلي ركعتين ، فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر ، ثم خرج وعصر ثوبه
ثم قال : اعرض علي ، فعرض عليه شهادة " أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله "
فقالها ثم صلى ركعتين ، ثم قال لاسعد : يا أبا أمامة أنا أبعث إليك الآن خالك ، و
أحتال عليه في أن يجيئك ( 2 ) ، فرجع أسيد إلى سعد بن معاذ فلما نظر إليه سعد
قال : اقسم أن أسيدا قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب من عندنا ، وآتاهم
سعد بن معاذ فقرأ عليه مصعب " حم * تنزيل من الرحمن الرحيم ( 3 ) " فلما سمعها قال
مصعب : والله لقد رأينا الاسلام في وجهه قبل أن يتكلم ، فبعث إلى منزله وأتى بثوبين
طاهرين ، واغتسل وشهد الشهادتين ، وصلى ركعتين ، ثم قام وأخذ بيد مصعب و
حوله إليه ، وقال : أظهر أمرك ، ولا تهابن أحدا ، ثم جاء فوقف في بني عمرو بن
عوف وصاح : يا بني عمرو بن عوف لا يبقين رجل ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا
شيخ ولا صبي إلا أن خرج ، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب ، فلما اجتمعوا قال :
كيف حالي عندكم ؟ قالوا : أنت سيدنا ، والمطاع فينا ، ولا نرد لك أمرا ، فمرنا
بما شئت ، فقال : كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم علي حرام حتى تشهدوا أن
لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فالحمد لله الذي أكرمنا بذلك ، وهو الذي
كانت
اليهود تخبرنا به ، فما بقي دار من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم إلا وفيها
مسلم أو مسلمة ، وحول مصعب بن عمير إليه ، وقال له : أظهر أمرك ، وادع الناس
علانية ، وشاع الاسلام بالمدينة ، وكثر ، ودخل فيه من البطنين جميعا أشرافهم ، و
* ( هامش ) * ( 1 ) النادى : مجلس القوم ومجتمعهم .
( 2 ) في المصدر : وأحتال عليه في أن يجيبك .
( 3 ) فصلت : 1 و 2 .
[ 12 ]
ذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود ، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن الاوس
والخزرج
قد دخلوا في الاسلام ، وكتب إليه مصعب بذلك ، وكان كل من دخل في الاسلام من
قريش ضربه قومه وعذبوه ، فكأن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرهم أن يخرجوا إلى
المدينة
فكانوا يتسللون رجلا فرجلا ( 1 ) فيصيرون إلى المدينة ، فينزلهم الاوس والخزرج
عليهم ويواسونهم .
قال : فلما قدمت الاوس والخزرج مكة جاءهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهم :
تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربكم ، وثوابكم على الله الجنة ، قالوا :
نعم يا رسول الله ، فخذ لنفسك ولربك ما شئت ، فقال : موعدكم العقبة في الليلة
الوسطى من ليالي التشريق ، فلما حجوا رجعوا إلى منى وكان فيهم ممن قد أسلم
بشر كثير ، وكان أكثرهم مشركين على دينهم ، وعبدالله بن أبي فيهم ، فقال لهم
رسول الله في اليوم الثاني من أيام التشريق : فاحضروا دار عبدالمطلب على العقبة ،
ولا تنبهوا نائما وليتسلل واحد فواحد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله نازلا في
دار عبدالمطلب
وحمزة وعلي والعباس معه ، فجاءه سبعون رجلا من الاوس والخزرج فدخلوا الدار
فلما اجتمعوا قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : تمنعون لي جانبي حتى أتلوا
عليكم كتاب
ربي ، وثوابكم على الله الجنة ؟ فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبدالله بن
حزام ( 2 ) : نعم يا رسول الله ، فاشترط لنفسك ولربك . ففال رسول الله : تمنعونني
مما
تمنعون أنفسكم وتمنعون أهلي مما تمنعون أهليكم وأولادكم ؟ قالوا : فما لنا
على ذلك ؟ قال : الجنة ، تملكون بها العرب في الدنيا ، وتدين لكم العجم ، و
تكونون ملوكا ، فقالوا : قد رضينا ، فقام العباس بن نضلة وكان من الاوس فقال :
يا معشر الاوس والخزرج تعلمون على ما تقدمون عليه ؟ إنما تقدمون على
حرب الاحمر والابيض ، وعلى حرب ملوك الدنيا فإن علمتم أنه إذا أصابتكم
المصيبة في أنفسكم خذلتموه وتركتموه فلا تغروه : فإن رسول الله وإن كان قومه
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : رجل فرجل .
( 2 ) الصحيح حرام ، وهو عبدالله بن عمرو بن حرام والد جابر الانصارى .
[ 13 ]
خالفوه فهو في عز ومنعة . فقال له عبدالله بن حزام وأسعد بن زرارة وأبوالهيثم بن
التيهان : مالك وللكلام ؟ يا رسول الله ! بل دمنا بدمك ، وأنفسنا بنفسك فاشترط
لربك ولنفسك ما شئت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أخرجوا إلي منكم اثني
عشر نقيبا
يكفلون عليكم بذلك ، كما أخذ موسى عليه السلام من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا ،
فقالوا :
اختر من شئت ، فأشار جبرئيل إليهم ، فقال : هذا نقيب ، وهذا نقيب ، وهذا نقيب
حتى اختار تسعة من الخزرج ، وهم أسعد بن زرارة ، والبراء بن معرور ، وعبدالله بن
حزام ( 1 ) أبوجابر بن عبدالله ، ورافع بن مالك ، وسعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو
وعبدالله بن رواحة ، وسعد بن الربيع ، وعبادة بن الصامت ، وثلاثة من الاوس وهم
أبوالهيثم بن التيهان ، وكان رجلا من اليمن ، حليفا في بني عمرو بن عوف ، وأسيد
ابن حضير ، وسعد بن خيثمه ، فلما اجتمعوا وبايعوا رسول الله صاح بهم إبليس :
يا معشر قريش والعرب هذا محمد والصباة ( 2 ) من الاوس والخزرج على جمرة العقبة
يبايعونه على حربكم فأسمع أهل منى فهاجت قريش وأقبلوا بالسلاح وسمع رسول الله
النداء فقال للانصار : تفرقوا ، فقالوا : يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم
بأسيافنا
فعلنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لم أؤمر بذلك ولم يأذن الله لي في
محاربتهم ، فقالوا : يا
رسول الله فتخرج معنا ، قال : أنتظر أمر الله ، فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا
السلاح ، وخرج حمزة ومعه السيف فوقف على العقبة هو وعلي بن أبي طالب ، فلما
نظروا إلى حمزة قالوا : ما هذا الذي اجتمعتم عليه ؟ قال : ما اجتمعنا ، وما ههنا
أحد ، والله لا يجوز أحد هذه العقبة إلا ضربته بسيفي ، فرجعوا وغدوا إلى عبدالله بن
أبي وقالوا له : قد بلغنا أن قومك بايعوا محمدا على حربنا ، فحلف لهم عبدالله أنهم
* ( هامش ) * ( 1 ) تقدم أن الصحيح : حرام .
( 2 ) قال الجزرى في النهاية : كانت العرب تسمى النبى صلى الله عليه وآله الصابى
لانه خرج
من دين قريش إلى دين الاسلام ، ويسمون من يدخل في الاسلام مصبوا ، لانهم كانوا لا
يهمزون .
فأبدلوا من الهمزة واوا ، ويسمون المسلمين الصباة بغير همز كانه جمع الصابى غير
مهموز ،
كقاض وقضاة ، وغاز وغزاة .
[ 14 ]
لم يفعلوا ولا علم له بذلك ، وإنهم لم يطلعوه على أمرهم فصدقوه ، وتفرقت الانصار
ورجع رسول الله إلى مكة ( 1 ) .
بيان : الحبلة بالضم : الكرم ، أو أصل من أصوله ، ويحرك ، والسبة بالضم
العار ، والمسبة : الذي يسب الناس ، وقال الفيروز آبادي : بعاث بالعين وبالغين
كغراب ويثلث : موضع بقرب المدينة ، ويومه معروف ، قوله : إن عهدك بهذا
لقريب ، لعل المعنى أنك قريب العهد بالتحية التي حييتك بها ، فإنها كانت
عادة قومك ، أو بهذه التحية ، أي ابتداءها ، ( 2 ) فاصدق الله فيه ، أي ابذل جهدك
في هدايته لتكون صادقا عند الله فيما تدعي من نصرة دينه ، وانسل وتسلل : خرج
في استخفاء ، وقال الجزري : في الحديث جاءت هوازن على بكرة أبيها ، هذه
كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفر العدد ، وأنهم جاؤوا جميعا لم يتخلف
منهم أحد ، وليس هناك بكرة في الحقيقة ، وهي التي يستقى عليها الماء ، فاستعيرت
في هذا الموضع .
6 - كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي نصر ، عن إبراهيم بن محمد الاشعري ،
عن عبيدة بن زرارة ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : لما توفي أبوطالب رضي الله
عنه
نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا محمد اخرج من مكة ، فليس لك
بها
ناصر ، وثارت قريش بالنبي صلى الله عليه وآله ، فخرج هاربا حتى جاء إلى جبل بمكة
يقال
له الحجون فصار إليه ( 3 ) .
7 - قب : توفي أبوطالب بعد نبوته بتسع سنين وثمانية أشهر ، وذلك
بعد خروجه من الشعب بشهرين ، وزعم الواقدي أنهم خرجوا من الشعب قبل
الهجرة بثلاث سنين ، وفي هذه السنة توفي أبوطالب ، وتوفيت خديجة بعده بستة
أشهر وله ست وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرون يوما ، ويقال : وهو
* ( هامش ) * ( 1 ) اعلام الورى : 35 - 40 .
( 2 ) لعله اعتذار من تحيته بتحية الجاهلية ، وتركه تحية الاسلام .
( 3 ) اصول الكافى : 449 .
[ 15 ]
ابن سبع وأربعين سنة وستة أشهر وأياما .
أبوعبدالله بن منده ( 1 ) في كتاب المعرفة : إن وفاة خديجة بعد موت أبي طالب
بثلاثة أيام .
المعرفة ( 2 ) : عن النسوي توفيت خديجة بمكة قبل الهجرة من قبل أن
تفرض الصلاة على الموتى ، وسمي ذلك العام عام الحزن ، ولبث صلى الله عليه وآله
بعدهما ( 3 ) بمكة
ثلاثة أشهر ، فأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة ، فخرج جماعة من أصحابه بأهاليهم ،
وذلك بعد خمس من نبوته ، وكان حصار الشعب وكتابة الصحيفة أربع وسنين ، و
قيل : ثلاث سنين ، وقيل : سنتين ، فلما توفي أبوطالب خرج إلى الطائف وأقام فيه
شهرا ، وكان معه زيد بن الحارث ( 4 ) ، ثم انصرف إلى مكة ، ومكث فيها سنة و
ستة أشهر ( 5 ) في جوار مطعم بن عدي ، وكان يدعو القبائل في المواسم ، فكانت بيعة
العقبة الاولى بمنى ، فبايعه خمسة نفر من الخزرج ، وواحد من الاوس في خفية
من قومهم ، وهم جابر بن عبدالله ، وفطنة ( 6 ) بن عامر بن حزام ، وعوف بن الحارث
وحارثة بن ثعلبة ، ومرثد بن الاسد ، وأبوأمامة ثعلبة بن عمرو ، ويقال :
هو أسعد بن زرارة ، فلما انصرفوا إلى المدينة وذكروا القصة وقرؤوا القرآن
صدقوه ، وفي السنة القابلة وهي العقبة الثانية أنفذوا معهم ستة اخرى ( 7 ) بالسلام
والبيعة ، وهم أبوالهيثم بن التيهان ، وعبادة بن الصامت ، وذكوان بن عبدالله
ونافع بن مالك بن العجلان ، وعباس بن عبادة بن نضلة ، ويزيد بن ثعلبة حليف
له ، ويقال : مسعود بن الحارث ، وعويم بن ساعدة حليف لهم ، ثم أنفذ النبي صلى الله
عليه وآله
* ( هامش ) * ( 1 ) أى قال أبوعبدالله .
( 2 ) أى في كتاب المعرفة
( 3 ) أى بعد وفاة أبى طالب وخديجة ، وفى المصدر : بعدها أى بعد ذلك العام
( 4 ) في نسخة : زيد بن حارثة .
( 5 ) تقدم في الخبر السابق ما ينافى ذلك فتأمل .
( 6 ) في المنتقى : قطبة بن عامر ، ويأتي بعد ذلك وهو الصحيح .
( 7 ) في المصدر : آخرين
[ 16 ]
معهم ابن عمه مصعب بن هاشم ( 1 ) ، فنزل دار أسعد بن زرارة فاجتمعوا عليه وأسلم
أكثرهم إلا دار امية بن زيد وحطمة ووائل وواقف ، فإنهم أسلموا بعد بدر
وأحد والخندق ، وفي السنة القابلة كانت بيعة الحرس كانوا من الاوس والخزرج
سبعين رجلا وامرأتين ، واختار صلى الله عليه وآله منهم اثني عشر نقيبا ليكونوا
كفلاء قومه ،
تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الاوس ، فمن الخزرج أسعد وجابر والبراء بن
معرور وعبدالله بن حزام وسعد بن عبادة والمنذر بن قمر وعبدالله بن رواحة و
سعد بن الربيع ، ومن القوافل عبادة بن الصامت ، ومن الاوس أبوالهيثم وأسيد
ابن حضير ، وسعيد بن خيثمه ( 2 ) .
8 - يج : من معجزاته صلى الله عليه وآله أن قريشا كلهم اجتمعوا وأخرجوا بني هاشم
إلى شعب أبي طالب ، ومكثوا فيه ثلاث سنين إلا شهرا ، ثم أنفق أبوطالب وخديجة
جميع مالهما ، ولا يقدرون على الطعام إلا من موسم إلى موسم ، فلقوا من الجوع و
العرى ما الله أعلم به وإن الله قد بعث على صحيفتهم الارضة فأكلت كل ما فيها
إلا اسم الله ، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله لابي طالب ، فما راع قريشا
إلا وبني هاشم
عنق ( 3 ) واحد قد خرجوا من الشعب ، فقالوا : الجوع أخرجهم ، فجاؤوا حتى
أتو الحجر وجلسوا فيه ، وكان لا يقعد فيه صبيان قريش ( 4 ) ، فقالوا : يا أبا
طالب قد آن لك أن تصالح قومك ، قال : قد جئتكم مخبرا ( 5 ) ابعثوا إلى صحيفتكم
لعله أن يكون بيننا وبينكم صلح فيها ، فبعثوا إليها وهي عند ام أبي جهل ، و
كانت قبل في الكعبة ، فخافوا عليها السراق فوضعت بين أيديهم وخواتيمهم عليها ،
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 19 من ص 16 سطر 19 الى ص 24 سطر 18
فقال أبوطالب : هل تنكرون منها شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : إن ابن أخي حدثني
* ( هامش ) * ( 1 ) تقدم في الخبر السابق انه مصعب بن عمير ، وسيأتي أيضا ، وهو
الصحيح ، والمصدر
خال عن قوله : ابن عمه .
( 2 ) مناقب آل أبى طالب 1 : 150 و 151 .
( 3 ) العنق : الجماعة .
( 4 ) في نسخة : لا يقعد فيه الا فتيان قريش .
( 5 ) في نسخة : جئتكم بخير .
[ 17 ]
ولم يكذبني قط أن الله قد بعث على هذه الصحيفة الارضة فأكلت كل قطيعة وإثم ، و
تركت كل اسم هو لله فإن كان صادقا أقلعتم عن ظلمنا ، وإن يكن كاذبا ندفعه إليكم
فقتلتموه ، فصاح الناس " : أنصفتنا يا أبا طالب ، ففتحت ثم اخرجت فإذا هي مشربة
كما قال صلى الله عليه وآله فكبر المسلمون وامتقعت ( 1 ) وجوه المشركين ، فقال
أبوطالب :
أتبين لكم أينا أولى بالسحر والكهانة ؟ فأسلم يومئذ عالم من الناس ، ثم رجع
أبوطالب إلى شعبه ، ثم عيرهم هشام بن عمرو العامري بما صنعوا ببني هاشم ( 2 ) .
9 - قب : روى الزهري في قوله تعالى : " ولقد مكناهم " الآيات ( 3 ) قال :
لما توفي أبوطالب لم يجد النبي صلى الله عليه وآله ناصرا ، ونثروا على رأسه التراب
، قال : ما نال
مني قريش شيئا حتى مات أبوطالب ، وكان يستتر من الرمي بالحجر الذي عند باب
البيت من يسار من يدخل ، وهو ذراع وشبر في ذراع إذا جاءه من دار أبي لهب ودار
عدي بن حمران وقالوا : لو كان محمدنبيا لشغلته النبوة عن النساء ولامكنه جميع
الآيات ،
ولامكنه منع الموت عن أقاربه ، ولما مات أبوطالب وخديجة فنزل : " ولقد أرسلنا
رسلا من قبلك ( 4 ) " الآية .
الزهري في قوله تعالى : " فإن تولوا فقل حسبي الله ( 5 ) " الآية . لما توفي
أبوطالب واشتد عليه البلاء عمد إلى ثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه سادتها ، فلم يقبلوه
وتبعه سفهاؤهم بالاحجار ، ودموا رجليه ، فخلص منهم واستظل في ظل حبلة منه ( 6 )
وقال : اللهم إني أشكو إليك من ضعف قوتي ، وقلة حيلتي وناصري وهواني على
الناس يا أرحم الراحمين . ثم ذكر حديث عداس كما مر في رواية الطبرسي .
* ( هامش ) * ( 1 ) وامتقع مجهولا : تغير لونه من حزن أو فزع أو ريبة .
( 2 ) لم نجده في الخرائج المطبوع ، وأسلفنا قبلا أن نسخة خرائج المصنف كانت مختلفة
مع
المطبوع .
( 3 ) الاحقاف : 26 و 27 .
( 4 ) الرعد : 38 .
( 5 ) التوبة : 129 .
( 6 ) أى من بستان كما تقدم .
[ 18 ]
ابن مسعود : لما دخل النبي صلى الله عليه وآله الطائف رأى عتبة وشيبة جالسين على
سرير فقالا : هو يقوم قبلنا ، فلما قرب النبي منهما خر السرير ووقعا على الارض
فقالا : عجز سحرك عن أهل مكة فأتيت الطائف . ( 1 )
10 - شى : عن محمد الحلبي ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : اكتتم رسول الله صلى
الله عليه وآله
بمكة سنين ليس يظهر وعلي معه وخديجة ، ثم أمره الله أن يصدع بما يؤمر ، فظهر
رسول الله صلى الله عليه وآله فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب ، فإذا أتاهم قالوا :
كذاب
امض عنا . ( 2 )
11 - اقول : قال الكازروني في المنتقى وغيره : في سنة ثمان من نبوته صلى الله عليه
وآله
تعاهد قريش وتقاسمت على معاداة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وذلك أنه لما أسلم
حمزة وحمى
النجاشي من عنده من المسلمين ، وحامى رسول الله صلى الله عليه وآله عمه أبوطالب
وقامت بنو هاشم
وبنو عبدالمطلب دونه وأبوا أن يسلموه فشا الاسلام في القبائل ، واجتهد المشركون
في إخفاء ذلك النور ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ، فعرفت قريش أنه لا سبيل إلى
محمد صلى الله عليه وآله اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني
عبدالمطلب أن لا
يناكحوهم ، ولا يبايعوهم ، فكتبوا صحيفة في ذلك وكتب فيها جماعة ( 3 ) وعلقوها
بالكعبة ، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد البلاء عليهم ، وعظمت
الفتنة فيهم ، وزلزلوا زلزالا شديدا ، وأبدت قريش لبني عبدالمطلب الجفاء وثار
بينهم شر وقالوا : لا صلح بيننا وبينكم ، ولا رحم إلا على قتل هذا الصابئ ، فعمد
أبوطالب فأدخل الشعب ابن أخيه وبني أبيه ومن اتبعهم ، فدخلوا شعب أبي طالب
وآذوا النبي والمؤمنين أذيا شديدا ، وضربوهم في كل طريق ، وحصروهم في شعبهم
وقطعوا عنهم المارة من الاسواق ، ( 4 ) ونادى مناد الوليد بن المغيرة في قريش :
أيما رجل
* ( هامش ) * ( 1 ) مناقب آل أبى طالب 1 : 61 و 62 .
( 2 ) تفسير العياشى : ج 2 : 253 .
( 3 ) في المصدر : جماعة من قريش .
( 4 ) زاد في المصدر : فلم يدعوا أحدا من الناس يدخل عليهم طعاما ولا شيئا مما يرفق
به ،
وكانوا يخرجون من الشعب إلى الموسم ، فكانت قريش تباكرهم إلى الاسواق فيشترونها و
يغلونها عليهم .
[ 19 ]
منهم وجدتموه عند طعام يشتريه فزيدوا عليه ، فبقوا على ذلك ثلاث سنين حتى بلغ القوم
الجهد الشديد حتى سمعوا أصوات صبيانهم يتضاغون - أي يصيحون من الجوع من
وراء الشعب - وكان المشركون يكرهون ما فيه بنو هاشم من البلاء حتى كره عامة
قريش ما أصاب بني هاشم ، وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم القاطعة الظالمة حتى أراد
رجال أن يبرؤوا منها ، وكان أبوطالب يخاف أن يغتالوا رسول الله صلى الله عليه وآله
ليلا أو سرا
وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا أخذ مضجعه أو رقد جعله أبوطالب بينه وبين بنيه
خشية أن
يقتلوه ، ويصبح قريش وقد سمعوا أصوات صبيان بني هاشم من الليل يتضاغون من
الجوع ، فيجلسون عند الكعبة فيسأل بعضهم بعضا فيقول الرجل لاصحابه : كيف
بات أهلك البارحة ؟ فيقولون : بخير ، فيقول : لكن إخوانكم هؤلاء الذين في الشعب
باتت صبيانهم يتضاغون من الجوع ، فمنهم من يعجبه ما يلقى محمد ورهطه ، ومنهم
من يكره ذلك ، فأتى ( 1 ) من قريش على ذلك من أمرهم في بني هاشم سنتين أو ثلاثا
حتى جهد القوم جهدا شديدا لا يصل إليهم شئ إلا سرا ومستخفى به ممن أراد
صلتهم من قريش ، حتى روي أن حكيم بن حزام خرج يوما ومعه إنسان يحمل
طعاما إلى عمته خديجة بنت خويلد وهي تحت رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب ،
إذ لقيه
أبوجهل فقال : تذهب بالطعام إلى بني هاشم ؟ والله لا تبرح أنت ولا طعامك حتى
أفضحك عند قريش ، فقال له أبوالبختري بن هشام بن الحارث : تمنعه أن يرسل إلى
عمته بطعام كان لها عنده ؟ فأبى أبوجهل أن يدعه ، فقام إليه أبوالبختري بساق بعير
فشجه ووطئه وطئا شديدا ، وحمزة بن عبدالمطلب قريب يرى ذلك ، وهم يكرهون
أن يبلغ ذلك رسول الله وأصحابه فيشمتوا بهم ، وحتى روي أن هشام بن عمرو بن
ربيعة أدخل على بني هاشم في ليلة ثلاثة أحمال طعام ، فعلمت بذلك قريش فمشوا إليه
فكلموه في ذلك ، فقال : إني غير عائد لشئ يخالفكم ، ثم عاد الثانية فأدخل حملا
أو حملين ليلا ، وصادفته قريش وهموا به ، فقال أبوسفيان : دعوه رجل وصل رحمه
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : فأقامت قريش .
[ 20 ]
أما إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أجمل بنا ، ووفق الله هشاما للاسلام
يوم الفتح . ( 1 )
قال : وفي سنة عشر من نبوته صلى الله عليه وآله توفي أبوطالب ، قال ابن عباس : عارض
رسول الله صلى الله عليه وآله جنازة أبي طالب ، فقال : وصلتك رحم ، وجزاك الله خيرا
يا عم .
وفي هذه السنة توفيت خديجة بعد أبي طالب بأيام ، ولما مرضت مرضها الذي
توفيت فيه دخل عليها رسول الله فقال لها : بالكره مني ما أرى منك يا خديجة ، وقد
يجعل الله في الكره خيرا كثيرا ، أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم
بنت عمران ، وكلثم أخت موسى ، وآسية امرأة فرعون ، قالت : وقد فعل الله ذلك
يا رسول الله ؟ قال : نعم ، قالت : بالرفاء والبنين ، وتوفيت خديجة وهي بنت خمس
* ( هامش ) * ( 1 ) ذكر في المصدر : هنا قصة الصحيفة مفصلا ، ولعل نسخة المصنف كانت
ناقصة ، نذكرها
مزيدا للفائدة ، قال : ثم ان الله عزوجل برحمته أرسل على صحيفة قريش التى كتبوها -
وفيها
تظاهرهم على بنى هاشم - الارضة ، فلم تدع فيها اسما هو لله عزوجل الا اكلته ، وبقى
فيها الظلم
والقطيعة والبهتان ، فأخبر الله عزوجل بذلك رسوله محمدا صلى الله عليه وآله فأخبر
أبا طالب ،
فقال أبوطالب : يا ابن أخى من حدثك هذا وليس يدخل إلينا أحد ، ولا تخرج أنت إلى
أحد ؟ ولست في نفسى من أهل الكذب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : أخبرنى
ربى
هذا ، فقال له عمه : إن ربك لحق ، وأنا أشهد انك صادق ، فجمع أبوطالب أهله ولم
يخبرهم بما أخبره به رسول الله صلى الله عليه وآله كراهية أن يفشوا ذلك الخبر ،
فيبلغ المشركين
فيحتالوا للصحيفة البحث والمكر ، فانطلق أبوطالب برهطه حتى دخلوا المسجد والمشركون
من قريش في ظل الكعبة ، فلما ابصروا تباشروا به وظنوا أن الحصر والبلاء حملهم على
أن يدفعوا إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فيقتلوه ، فلما انتهى إليهم أبوطالب
ورهطه
رحبوا بهم وقالوا : قد آن لك أن تطيب نفسك عن قتل رجل في قتله صلاحكم وجماعتكم
وفى حياته فرقتكم وفسادكم ، فقال أبوطالب : قد جئتكم في امر لعله يكون فيه صلاح و
جماعة ، فاقبلوا ذلك منا ، هلموا صحيفتكم التى فيها تظاهركم علينا ، فجاؤا بها ولا
يشكون الا انهم سيدفعون رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم إذا نشروها ، فلما جاؤا
بصحيفتهم
قال أبوطالب : صحيفتكم بينى وبينكم ، فان ابن أخى قد اخبرنى ولم يكذبنى ان الله
عزوجل
قد بعث على صحيفتكم الارضة ، فلم تدع لله فيها اسما الا أكلته ، وبقى فيها الظلم
والقطيعة
والبهتان ، فان كان كاذبا فلكم على ان ادفعه إليكم تقتلونه ، وإن كان صادقا فهل ذلك
- -
[ 21 ]
وستين ، ودفنت بالحجون ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله قبرها ولم يكن يومئذ
سنة الجنازة والصلاة عليها ، وروي عن عبدالله بن ثعلبة بن صغير قال : لما توفي
أبوطالب وخديجة وكان بينهما شهر وخمسة أيام اجتمعت على رسول الله صلى الله عليه
وآله مصيبتان
فلزم بيته ، وأقل الخروج ، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع ، فبلغ ذلك
أبا لهب فجاءه فقال : يا محمد امض لما أردت ، وما كنت صانعا إذ كان أبوطالب حيا
فاصنعه ، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت ، وسب ابن غيطلة النبي صلى الله عليه
وآله فأقبل
عليه أبولهب فنال منه ، فولى يصيح : يا معشر قريش : صبأ أبوعتبة ، فأقبلت قريش
حتى وقفوا على أبي لهب فقال : ما فارقت دين عبدالمطلب ، ولكني أمنع ابن أخي
أن يصام ( 1 ) حتى يمضي لما يريد ، قالوا : أحسنت وأجملت ووصلت الرحم ، فمكث
* ( هامش ) - - ناهيكم عن تظاهركم علينا ، فأخذ عليهم المواثيق واخذوا عليه ، فلما
نشروها فاذا هى كما
قال رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكانوا هم بالغدر أولى منهم ، واستبشر أبوطالب
وأصحابه ،
وقالوا : أينا أولى بالقطيعة والبهتان ؟ فقال المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف ،
وهشام
ابن عمرو أخو عامر بن لوى بن حارثة ، نحن براء من هذه الصحيفة القاطعة العادية
الظالمة ،
ولن نمالى أحدا في فساد أنفسنا ، وتتابع على ذلك ناس من اشراف قريش فخرج قوم من
شعبهم وقد أصابهم الجهد الشديد ، فقال أبوطالب في ذلك أشعارا منها :
وقد جربوا فيما مضى غب أمرهم * وما عالم امرا كمن لا يجرب
وقد كان في أمر الصحيفة عبرة * متى ما يخبر غائب القوم يعجب
محا الله منهم كفرهم وعقوقهم * وما نقموا من باطل الحق مغرب
فاصبح ما قالوا من الامر باطلا * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب
فامسى ابن عبدالله فينا مصدقا * على سخط من قومنا غير معتب
فلا تحسبونا مسلمين محمدا * لدى عزمة منا ولا متعزب
ستمنعه منا يد هاشمية * مركبها في الناس خير مركب
وكان الذى كتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن هاشم فشلت يده فيما يزعمون ، وفى رواية
ان الله تعالى اطلع نبيه صلى الله عليه وآله على أمر صحيفتهم ، وأن الارضة قد أكلت
ما كان
فيها من جور وظلم ، وبقى ما كان من ذكر الله عزوجل في موضعى القصة . انتهى . أقول :
الرواية الثانيه أصح لما تقدم في الاخبار وفى شعر أبى طالب .
( 1 ) أى يظلم ويقهر .
[ 22 ]
رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك أياما يذهب ويأتي لا يتعرض له أحد من قريش ،
وهابوا
أبا لهب إذا جاء عقبة بن أبي معيط وأبوجهل إلى أبي لهب فاحتالا حتى صرفاه عن
نصرته صلى الله عليه وآله . ( 1 )
وفي هذه السنة خرج إلى الطائف وإلى ثقيف ، عن محمد بن جبير قال : لما توفي
أبوطالب تناولت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله ، فخرج إلى الطائف ومعه زيد
بن حارثة
وذلك في ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة ، فأقام بها عشرة أيام ، وقيل :
شهرا ، فآذوه ورموه بالحجارة ، فانصرف إلى مكة ، فلما نزل نخلة صرف الله إليه
النفر من الجن ، وروي أنه لما انصرف من الطائف عمد إلى ظل حبلة من عنب
فجلس فيه وقال : " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني
على الناس ، أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي إلى من تكلني ؟
إلى بعيد يتجهمني ، ( 2 ) أو إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب
فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات
وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لكن
لك العتبى ( 3 ) حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .
* ( هامش ) * ( 1 ) هكذا في النسخ ، والموجود في المصدر يغايره وهو هكذا ، إذ جاء
عقبة ابن أبى
معيط وأبوجهل إلى ابى لهب فقالا له : أخبرك ابن أخيك اين مدخل أبيك ؟ فقال له
أبولهب : يا محمد اين مدخل عبدالمطلب ؟ قال : مع قومه ، فخرج أبولهب إليهم فقال :
قد سألته فقال : مع قومه ، فقالا : يزعم انه في النار . فقال : يا محمد أيدخل
عبدالمطلب
النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : نعم ، ومن مات على مثل ما مات عليه
عبدالمطلب
دخل النار ، فقال أبولهب والله ما برحت لك عدوا أبدا وانت تزعم أن عبدالمطلب في
النار ، فاشتد عليه وسائر قريش انتهى . أقول لعل المصنف اختصره لغرابته وانه خلاف
المذهب ، وقصة أبى لهب من أولها إلى آخرها الرواية منفردة بها ، ولم نظفر باولها في
رواية
اخرى . وآخرها ينافى مذهب الامامية في ايمان آباء النبى صلى الله عليه وآله والامر
فيها هين لانها مروية من طرق العامة ، لا يعتمد عليها .
( 2 ) تجهمه : استقبله بوجه عبوس كريه .
( 3 ) العتبى : الرضى .
[ 23 ]
قال : ولما دخل مكة كان يقف بالموسم على القبائل فيقول : يا بني فلان إني
رسول الله إليكم ، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وكان خلفه أبولهب
فيقول : لا تطيعوه ، وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله كندة في منازلهم فدعاهم إلى
الله عزوجل
فأبوا ، وأتى كلبا في منازلهم فلم يقبلوا منه ، وأتى بني حنيفة في منازلهم فردوا
عليه
أقبح رد .
وفي هذه السنة تزوج رسول الله بعائشة وسوده ، وكانت عائشة بنت ست سنين
حينئذ ، وروي لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون
فقالت : يا رسول الله ألا تتزوج ؟ قال : من ؟ قالت : إن شئت بكرا ، وإن شئت ثيبا
قال : فمن البكر ؟ قالت : بنت أبي بكر ، قال : ومن الثيب ؟ قالت : سودة بنت زمعة
قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول ، قال : فاذهبي فاذكريهما علي ، فذهبت إلى
أبويهما وخطبتهما فقبلا وتزوجهما .
وفي سنة إحدى عشرة من نبوته كان بدء إسلام الانصار ، وذلك ما روي أن
رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في الموسم يعرض نفسه على القبائل فبينا هو على
العقبة إذ لقي
رهطا من الخزرج ، فقال : من أنتم : فقالوا : من الخزرج ، قال : أفلا تجلسون
أكلمكم ؟ قالوا : بلى ، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عزوجل ، وعرض عليهم
الاسلام ، وتلا عليهم القرآن ، وكان اولئك يسمعون من اليهود أنه قد أظل زمان
نبي يبعث ، فلما كلمهم قال بعضهم لبعض : والله إنه للنبي الذي يعدكم به اليهود
فلا يسبقنكم إليه ، وانصرفوا راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا ، وكانوا ستة أنفس :
أسعد بن زرارة ، وعون بن الحارث وهو ابن عفراء ، ورافع بن مالك بن عجلان ، و
قطبة بن عامر بن حديدة ، وعقبة بن عامر ، وجابر بن عبدالله ، فلما قدموا المدينة
على قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ودعوهم إلى الاسلام حتى فشا فيهم
دينهم
فلم يبق دار من دور الانصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله .
وفي سنة اثنتي عشرة من نبوته كان المعراج ، وفي هذه السنة كانت بيعة العقبة
الاولى ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج عامئذ إلى الموسم ، وقد قدم من
الانصار
[ 24 ]
اثنا عشر رجلا ، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الاولى فبايعهم رسول الله صلى الله عليه
وآله . قال عبادة
ابن الصامت : بايعنا رسول الله ليلة العقبة الاولى ، ونحن اثنا عشر رجلا أنا أحدهم
فلما انصرفوا بعث معهم مصعب بن عمير إلى المدينة يفقه أهلها ويقرئهم القرآن .
وفي سنة ثلاث عشرة كانت بيعة العقبة الثانية ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه
وآله خرج
إلى الموسم فلقيه جماعة من الانصار ، فواعدوه العقبة من أوسط أيام التشريق ، قال
كعب بن مالك : اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومعهم امرأتان
من نسائهم : نسيبة بنت كعب أم عمار ، وأسماء بنت عمرو بن عدي وهي أم منيع
فبايعنا وجعل علينا اثنا عشر نقيبا منا : تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الاوس ، ثم
أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه بالخروج إلى المدينة ، فخرجوا أرسالا ،
وأقام هو بمكة
ينتظر أن يؤذن له . ( 1 )
بيان : الارسال بالفتح جمع الرسل بالتحريك وهو القطيع من كل شئ ، أي
زمرا زمرا ، ويحتمل الارسال بالكسر وهو الرفق والتوءدة .
12 - يه : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على خديجة وهي لما بها ، فقال لها :
بالرغم
منا ما نرى بك يا خديجة ، فإذا قدمت على ضرائرك فأقرئيهن السلام فقالت : من
هن يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وآله : مريم بنت عمران ، وكلثم اخت موسى ،
وآسية امرأة
فرعون ، قالت : بالرفاء يا رسول الله .
بيان : قوله : هي لما بها ، اللام ظرفية ، أو بمعنى إلى ، والمعنى أنها كانت
في الاحتضار ، قوله صلى الله عليه وآله : بالرغم منا ما نرى بك ، قوله : " ما نرى "
مبتدأ ، وبالرغم
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 19 من ص 24 سطر 19 الى ص 32 سطر 18
خبر ، أي ما نرى بك متلبس بالرغم والكراهة منا ، والرفاء بالكسر : الاتفاق
والالتيام والبركة والنماء .
13 - مصبا : في السادس والعشرين من شهر رجب كانت وفاة أبي طالب رحمة الله
* ( هامش ) * ( 1 ) المنتقى في مولود المصطفى : 65 - 77 ، الباب الخامس فيما كان
سنة ثمان من نبوته
صلى الله عليه وآله إلى الباب التاسع فيما كان سنة ثلاث عشر من نبوته . واختصر
المصنف القضايا
المنقولة فيه ، ونقل بعضها معنى .
[ 25 ]
عليه على قول ابن عياش . ( 1 )
14 - ص : إن أبا طالب رضي الله عنه توفي في آخر السنة العاشرة من مبعث
رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم توفيت خديجة رضي الله عنها بعد أبي طالب بثلاثة
أيام ، فسمى
رسول الله ذلك العام عام الحزن ، فقال : ما زالت قريش قاعدة عني حتى مات
أبوطالب . ( 2 )
15 - قب : كان النبي صلى الله عليه وآله يعرض نفسه على قبائل العرب في الموسم ،
فلقي
رهطا من الخزرج فقال : ألا تجلسون أحدثكم ؟ قالوا : بلى ، فجلسوا إليه فدعاهم
إلى الله ، وتلا عليهم القرآن ، فقال بعضهم لبعض : ياقوم تعلمون ؟ والله إنه النبي
الذي كان يوعدكم به اليهود ، فلا يسبقنكم إليه أحد ، فأجابوه ، وقالوا له : إنا
قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم ، وعسى أن يجمع الله
بينهم بك ، فستقدم ( 3 ) عليهم وتدعوهم إلى أمرك ، وكانوا ستة نفر ، قال : فلما
قدموا المدينة فأخبروا قومهم بالخبر فما دار حول إلا وفيها حديث رسول الله صلى الله
عليه وآله
حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من الانصار اثنا عشر رجلا ، فلقوا النبي صلى
الله عليه وآله
فبايعوه على بيعة النساء ( 4 ) ألا يشركوا بالله شيئا ، ولا يسرقوا ، إلى آخرها ،
ثم
انصرفوا ، وبعث معهم مصعب بن عمير يصلي بهم ، وكان بينهم بالمدينة يسمى المقرئ
فلم يبق دار في المدينة إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا دار امية وحطيمة ووائل
وهم من الاوس ، ثم عاد مصعب إلى مكة ، وخرج من خرج من الانصار إلى الموسم
مع حجاج قومهم ، فاجتمعوا في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعون رجلا ، وامرأتان
في أيام التشريق بالليل ، فقال صلى الله عليه وآله : ابايعكم على الاسلام ، فقال له
بعضهم :
* ( هامش ) * ( 1 ) المصباح : 566 .
( 2 ) قصص الانبياء : مخطوط .
( 3 ) في المصدر : فتقدم .
( 4 ) المراد ببيعة النساء ما ورد في سورة الممتحنة من قوله تعالى : " يا ايها
النبى إذا
جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن " إلى آخر الآية : 12 .
[ 26 ]
نريد أن تعرفنا يا رسول الله ما لله علينا ، وما لك علينا ، وما لنا على الله ،
فقال : أما
ما لله عليكم فأن تعبدوه ، ولا تشركوا به شيئا ، وأما ما لي عليكم فتنصرونني مثل
نسائكم وأبنائكم ، وأن تصبروا على عض السيف وإن يقتل خياركم ، قالوا : فإذا
فعلنا ذلك ما لنا على الله ؟ قال : أما في الدنيا فالظهور على من عاداكم ، وفي
الآخرة
رضوانه والجنة ، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : والذي بعثك بالحق
لنمنعك ( 1 ) بما نمنع به ازرنا ، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب ، و
أهل الحلفة ، ورثناها كبارا عن كبار ، فقال أبو الهيثم : إن بيننا وبين الرجال
حبالا ، وإنا إن قطعناها أو قطعوها فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن
ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم قال : بل الدم
الدم ، والهدم
الهدم ، احارب من حاربتم واسالم من سالمتم ، ثم قال : أخرجوا إلي منكم اثني عشر
نقيبا ، فاختاروا ، ثم قال : ابايعكم كبيعة عيسى بن مريم للحواريين كفلاء على
قومهم بما فيهم ، وعلى أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ، فبايعوه على
ذلك ، فصرخ الشيطان في العقبة : يا أهل الجباجب هل لكم في محمد والصباة معه ؟
قد اجتمعوا على حربكم ، ثم نفر الناس من منى ، وفشا الخبر فخرجوا في الطلب
فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ، فأما المنذر فأعجز القوم ، وأما سعد فأخذوه
وربطوه بنسع ( 2 ) رحله ، وأدخلوه مكة يضربونه ، فبلغ خبره إلى جبير بن مطعم
والحارث ابن حرب بن امية فأتياه وخلصاه ، وكان النبي صلى الله عليه وآله لم يؤمر
إلا بالدعاء
والصبر على الاذى ، والصفح عن الجاهل ، فطالت قريش على المسلمين ، فلما كثر
عتوهم امر بالهجرة ، فقال صلى الله عليه وآله : إن الله قد جعل لكم دارا وإخوانا
تأمنون بها
فخرجوا أرسالا حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله إلا علي وأبوبكر ، فحذرت
قريش
خروجه ، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم ، فاجتمعوا في دار الندوة وهي دار قصي بن
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة : لنمنعنك .
( 2 ) النسع : سير أو حبل عريض طويل تشد به الرحال .
[ 27 ]
كلاب يتشاورون في أمره ( 1 ) وساق الحديث إلى آخر ما سيأتي في الباب الآتي برواية
الشيخ عن ابن أبي هالة .
بيان : يسمي المقرئ لانه كان يقرئهم القرآن . وقال الجزري : في حديث
بيعة العقبة : لنمنعك مما نمنع منه ازرنا ، أي نساءنا ، وأهلنا ، كني عنهن بالازر
وقيل : أراد أنفسنا ، وقد يكنى عن النفس بالازر ، وقال في قوله : والهدم الهدم :
يروى بسكون الدال وفتحها ، فالهدم بالتحريك ، القبر ، يعني أني اقبر حيث
تقبرون ، وقيل : هو المنزل ، أي منزلكم منزلي ، وفي الحديث الآخر : المحيى
محياكم ، والممات مماتكم ، أي لا افارقكم ، والهدم بالسكون والفتح أيضا هو إهدار دم
القتيل ، يقال : دماؤهم بينهم هدم ، أي مهدرة ، والمعنى إن طلب دمكم فقد طلب دمي ،
وإن
أهدر دمكم فقد اهدر دمي لاستحكام الالفة بيننا ، وهو قول معروف للعرب يقولون : دمي
دمك وهدمي هدمك ، وذلك عند المعاهدة والنصرة ، وقال : في حديث بيعة الانصار :
نادى الشيطان ، يا أصحاب الجباجب ، هي ، جمع جبجب بالضم ، وهو المستوي من
الارض ليس بحزن ، وهي ههنا أسماء منازل سميت به ، قيل : لان كروش الاضاحي
تلقى فيها أيام الحج ، والجبجبة الكرش ، يجعل فيها اللحم يتزود في الاسفار .
* ( هامش ) * ( 1 ) مناقب آل أبى طالب 1 : 156 - 158 .
[ 28 ]
6 .
( باب )
* ( الهجرة ومباديها ، ومبيت على عليه السلام على فراش النبى ) *
* ( صلى الله عليه وآله ، وما جرى بعد ذلك إلى دخول المدينة ) *
الايات : النساء " 4 " : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم
قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فاولئك
مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون
حيلة ولا يهتدون سبيلا * فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا *
ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته
مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا
رحيما . 97 - 100 .
الانفال " 8 " : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك
ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين 30 .
وقال تعالى : وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا
أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون 34 .
وقال تعالى : إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل
الله والذين آووا ونصروا اولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم
من
ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم
وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير * والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه
تكن فتنة في الارض وفساد كبير * والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله و
الذين آووا ونصروا اولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم * والذين
آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم واولوا الارحام بعضهم أولى
[ 29 ]
ببعض في كتاب الله إن الله بكل شئ عليم 72 - 75 .
التوبة " 9 " : إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين
إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده
بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز
حكيم 39 .
النحل " 16 " : والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا
حسنة ولاجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم
يتوكلون 41 و 42 .
وقال تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان
ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم - إلى قوله
تعالى : - ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك
من بعدها لغفور رحيم 106 - 110 .
الحج " 32 " : والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله
رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين * ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم
حليم 58 و 59 .
العنبكوت " 29 " : يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون
- إلى قوله تعالى : - وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع
العليم 56 - 60 .
محمد " 47 " : وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك
أهلكناهم فلا ناصر لهم 13 .
المزمل " 73 " : واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا 10 .
تفسير : قوله تعالى " إن الذين توفاهم الملائكة " قال الطبرسي رحمه الله : قال
أبوحمزة الثمالي : بلغنا أن المشركين يوم بدر لم يخلفوا إذ خرجوا أحدا إلا صبيا أو
شيخا
كبيرا أو مريضا ، فخرج معهم ناس ممن تكلم بالاسلام ، فلما التقى المشركون و
[ 30 ]
رسول الله صلى الله عليه وآله نظر الذين كانوا قد تكلموا بالاسلام إلى قلة المسلمين
فارتابوا فاصيبوا
فيمن اصيب من المشركين ، فنزلت فيهم الآية ، وهو المروي عن ابن عباس والسدي
وقتادة ، وقيل : إنهم قيس بن الفاكهة بن المغيرة ، والحارث بن زمعة بن الاسود
وقيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبوالعاص بن المنبه بن الحجاج ، وعلي بن امية
ابن خلف ، عن عكرمة ، ورواه أبوالجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال ابن عباس :
كنت أنا من المستضعفين ، وكنت غلاما صغيرا ، وذكر عنه أيضا أنه قال : كان
أبي من المستضعفين من الرجال ، وكانت امي من المستضعفات من النساء ، وكنت
أنا من المستضعفين من الولدان . " توفاهم الملائكة " أي تقبض أرواحهم " فيم كنتم "
أي في أي شئ كنتم من دينكم على وجه التقريرأو التوبيخ " مستضعفين في الارض "
أي يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا يمنعوننا من الايمان " قالوا " أي
الملائكة " فتهاجروا فيها " أى فتخرجوا من أرضكم ، وتفارقوا من يمنعكم من
الايمان " إلا المستضعفين " أي الذين استضعفهم المشركون ( 1 ) ويعجزون عن
الهجرة لاعسارهم وقلة حيلتهم " ولا يهتدون سبيلا " في الخلاص من مكة " مراغما
كثيرا وسعة " أي متحولا من الارض وسعة في الرزق ، وقيل : مزحزحا عما يكره
وسعة من الضلالة إلى الهدى ، وقيل : مهاجرا فسيحا ومتسعا مما كان فيه من الضيق
" ومن يخرج من بيته " قيل : لما نزلت آيات الهجرة سمعها رجل من المسلمين وهو
جندع ، أو جندب بن ضمرة ، وكان بمكة فقال : والله ما أنا ممن استثنى الله ، إني
لاجد قوة ، وإني لعالم بالطريق ، وكان مريضا شديد المرض ، فقال لبنيه : والله لا
أبيت بمكة حتى أخرج منها ، فإني أخاف أن أموت فيها ، فخرجوا يحملونه على
سرير حتى إذا بلغ التنعيم مات ، فنزلت الآية ، عن أبي حمزة الثمالي وعن قتادة
وعن سعيد بن جبير ، وقال عكرمة : وخرج جماعة من مكة مهاجرين فلحقهم المشركون
وفتنوهم عن دينهم فافتتنوا ، فأنزل الله فيهم : " ومن الناس من يقول آمنا بالله
فإذا
أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله " فكتب بها المسلمون إليهم ، ثم نزلت فيهم
:
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : " من الرجال والنساء والولدان " وهم الذين يعجزون .
[ 31 ]
" ثم ان ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من
بعدها لغفور رحيم " مهاجرا من أرض الشرك فارا بدينه إلى الله ورسوله " ثم يدركه
الموت " قبل بلوغه دار الهجرة " فقد وقع أجره على الله " أي ثواب عمله وجزاء
هجرته على الله ، وروى الحسن ، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : من فر بدينه
من أرض
إلى أرض وإن كان شبرا من الارض استوجب الجنة ، وكان رفيق إبراهيم ومحمد
صلى الله عليهما وآلهما . ( 1 )
وقال رحمه الله في قوله تعالى : " وإذ يمكر بك " قال المفسرون : إنها نزلت
في قصة دار الندوة ، وذلك أن نفر من قريش اجتمعوا فيها وهي دار قصي بن كلاب
وتآمروا في أمر النبي صلى الله عليه وآله ، فقال عروة بن هشام : نتربص به ريب
المنون ،
وقال أبوالبختري : أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه ، وقال أبوجهل : ما هذا
برأي ، ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كل بطن رجل فيضربوه بأسيافهم ضربة
رجل واحد ، فنرضى حينئذ بنو هاشم بالدية ، فصوب إبليس هذا الرأي وكان قد
جاءهم في صورة شيخ كبير من أهل نجد ، وخطأ الاولين فاتفقوا على هذا الرأي
وأعدوا الرجال والسلاح ، وجاء جبرئيل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج إلى
الغار
وأمر عليا عليه السلام فبات على فراشه ، فلما أصبحوا وفتشوا عن الفراش وجدوا عليا
وقد رد الله مكرهم ، فقالوا : أين محمد ; قال : لا أدري ، فاقتصوا أثره وأرسلوا في
طلبه
فلما بلغوا الجبل ومروا بالغار رأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو كان
ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاثة أيام ثم قدم المدينة
" الذين كفروا " وهم مشركو العرب ، ومنهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والنضر بن
حارث ، وأبوجهل بن هشام ، وأبوالبختري بن هشام ، وزمعة بن الاسود ، وحكيم
بن حزام ، وامية بن خلف وغيرهم " ليثبتوك " أي ليقيدوك فيثبتوك في الوثاق أو في
الحبس ويسجنوك في بيت ، وقيل : ليثخنوك بالجراحة والضرب عن أبان بن
* ( هامش ) * ( 1 ) مجمع البيان 3 : 98 - 100 .
[ 32 ]
تغلب وغيره " أو يخرجوك " أي من مكة إلى طرف من أطراف الارض ، وقيل : أو
يخرجوك على بعير ويطردونه حتى يذهب في وجهه ( 1 ) .
قال : ولما هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وأخرجوه من مكة أنزل الله
سبحانه : " وما لهم ألا يعذبهم الله " الآية ، فعذبهم الله بالسيف يوم بدر " وما
كانوا أولياءه "
أي ما كان المشركون أولياء المسجد الحرام وإن سعوا في عمارته ، وما أولياء المسجد
الحرام إلا المتقون عن الحسن ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام ، وقيل ما كانوا
أولياء الله إن أولياء الله إلا المتقون ( 2 ) . وقال رحمه الله في قوله تعالى : "
إن الذين
آمنوا وهاجروا " قيل : نزلت في الميراث ، وكانوا يتوارثون بالهجرة ، وجعل الله
الميراث للمهاجرين والانصار دون ذوي الارحام ، وكان الذي آمن ولم يهاجر لم
يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر وكانوا يعملون بذلك حتى نزل : " واولو
الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " فنسخت هذا ، وصار الميراث لذوي
الارحام المؤمنين ( 3 ) ، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والسدي
" والذين آووا " أي النبي صلى الله عليه وآله والمهاجرين بالمدينة وهم الانصار
" اولئك بعضهم أولياء بعض " في النصرة أو التوارث ، وقيل : في نفوذ أمان بعضهم
على بعض ( 4 ) ، وعن أبي جعفر عليه السلام أنهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الاولى
" وإن استنصروكم في الدين " أي إن طلب المؤمنون الذين لم يهاجروا منكم
النصرة لهم على الكفار وإعانتهم في الدين " فعليكم النصر ( 5 ) " ة والمعونة لهم في
* ( هامش ) * ( 1 ) مجمع البيان 4 : 537 .
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 19 من ص 32 سطر 19 الى ص 40 سطر 18
( 2 ) مجمع البيان 4 : 539 و 540 .
( 3 ) زاد في المصدر : ولا يتوارث أهل الملتين .
( 4 ) زاد في المصدر : فان واحدا من المسلمين لو أمن إنسانا نفذ أمانه على سائر
المسلمين
" والذين آمنوا ولم يهاجروا " إلى المدينة " ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا "
أى
ما لكم من ميراثهم من شئ حتى يهاجروا ، فحينئذ يحصل بينكم التوارث ، فان الميراث
كان
منقطعا في ذلك الوقت بين المهاجرين وغير المهاجرين ، وروى عن أبي جعفر عليه السلام
اه .
( 5 ) في المصدر : فعليكم النصر ، والمعونة ، وليس عليكم نصرتهم في غير الدين .
[ 33 ]
الدين " إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق " أي إلا أن يطلبوا منكم النصرة على قوم
من المشركين بينكم وبينهم أمان وعهد يجب الوفاء به فلا تنصروهم عليهم لما فيه
من نقض العهد " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " أي أنصار بعض أو أولى ببعض
في الميراث " إلا تفعلوه " أي ما امرتم به في الآية الاولى والثانية " تكن فتنة في
الارض وفساد كبير " على المؤمنين الذين لم يهاجروا ، والفتنة : المحنة بالميل إلى
الضلال ، والفساد الكبير : ضعف الايمان ( 1 ) .
وقال في قوله تعالى : " إلا تنصروه فقد نصره الله " : أي إن لم تنصروا النبي
صلى الله عليه وآله على قتال العدو فقد فعل الله به النصر " إذ أخرجه الذين كفروا "
من مكة فخرج يريد المدينة " ثاني اثنين إذ هما في الغار " يعني أنه كان هو وأبوبكر
في الغار ليس معهما ثالث ( 2 ) ، وأراد به هنا غار ثور ، وهو جبل بمكة " إذ يقول
لصاحبه " أي إذ يقول الرسول صلى الله عليه وآله لابي بكر : " لا تحزن " أي لا تخف "
إن الله
معنا " يريد أنه مطلع علينا ، عالم بحالنا ، فهو يحفظنا وينصرنا ، قال الزهري :
لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوبكر الغار أرسل الله زوجا من الحمام حتى
باضا في
أسفل الثقب ( 3 ) ، والعنكبوت حتى نسج بيتا ، فلما جاء سراقة بن مالك في طلبهما
فرأى بيض الحمام وبيت العنكبوت قال : لو دخله أحد لانكسر البيض وتفسخ ( 4 )
بيت العنكبوت فانصرف ، وقال النبي صلى الله عليه وآله : " اللهم أعم أبصارهم "
فعميت أبصارهم
عن دخوله ، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار . وقال أبوبكر : لو نظروا ( 5 )
إلى أقدامهم لرأونا ، ونزل رجل من قريش فبال على باب الغار ، فقال أبوبكر :
قد أبصرونا يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لو أبصرونا ما
استقبلونا بعوراتهم
* ( هامش ) * ( 1 ) مجمع البيان 4 : 561 و 562 .
( 2 ) زاد في المصدر : أى وهو احد اثنين ، ومعناه فقد نصره الله منفردا من كل شئ
إلا
من ابى بكر .
( 3 ) في نسخة : في اسفل النقب .
( 4 ) في نسخة : وتفتح بيت العنكبوت .
( 5 ) في نسخة ، لو نزلوا .
[ 34 ]
" فأنزل الله سكينته عليه " يعني على محمد صلى الله عليه وآله ، أي ألقى في قلبه ما
سكن به " وأيده
بجنود لم تروها " أي بملائكة يضربون وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه ، وقيل :
قواه بالملائكة ( 1 ) يدعون الله تعالى له ، وقيل : أعانه بالملائكة يوم بدر ، وقال
بعضهم :
يجوز أن يكون الهاء في " عليه " راجعة إلى أبي بكر ، وهذا بعيد ، لان الضمائر
قبل هذا وبعده تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله بلا خلاف ( 2 ) ، فكيف يتخللها
ضمير عائد إلى
غيره هذا وقد قال سبحانه في هذه السورة " ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى
المؤمنين ( 3 ) " وقال في سورة الفتح كذلك ( 4 ) ، فتخصيص النبي في هذه الآية
بالسكينة
يدل على عدم إيمان من معه ( 5 ) " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى " المراد بكلمتهم
وعيدهم النبي صلى الله عليه وآله وتخويفهم له ، أو كلمة الشرك ، وكلمة الله وعده
بالنصر ، أو
كلمة التوحيد ( 6 ) .
وقال في قوله تعالى : " والذين هاجروا في الله " : نزلت في المعذبين بمكة
مثل صهيب وبلال وعمار وخباب ( 7 ) وغيرهم ، مكنهم الله في المدينة ، وذكر أن
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : بملائكة .
( 2 ) في المصدر : وذلك في قوله : " إلا تنصروه فقد نصره الله " وفى قوله : " إذ
اخرجه "
وقوله : " لصاحبه " وقوله فيما بعده : " وأيده " .
( 3 ) الاية : 28 .
( 4 ) في المصدر : وقال في سورة الفتح : " فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى
المؤمنين "
أقول : هذا هو الصحيح راجع سورة الفتح 48 : 26 .
( 5 ) لم نجد قوله : " فتخصيص النبى صلى الله عليه وآله " إلى هما في المصدر ، بل
الموجود
مكانه هكذا : وقد ذكرت الشيعة في تخصيص النبى صلى الله عليه وآله في هذه الاية
بالسكينة
كلا ما رأينا الاضراب عن ذكره أحرى لئلا ينسبنا ناسب إلى شئ انتهى .
( 6 ) مجمع البيان 5 : 31 و 32 .
( 7 ) خباب بتشديد الباء الاول كشداد هو خباب بن الارت التميمى أبوعبدالله من
السابقين
إلى الاسلام ، وكان يعذب في الله ، شهد بدرا ثم نزل الكوفة ومات بها سنة 37 " وقيل
: 39 "
وترحم عليه أميرالمؤمنين عليه السلام وقال : رحم الله خبابا ، أسلم راغبا ، وهاجر
طائعا ، وعاش
مجاهدا ، وابتلى في جسمه احوالا ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا . ( * )
[ 35 ]
صهيبا قال لاهل مكة : أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم ، وإن كنت عليكم
لم أضرركم ، فخذوا مالي ودعوني ، فأعطاهم ماله ، وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه
وآله ،
فقال له أبوبكر : ربح البيع يا صهيب ( 1 ) " لنبوئنهم في الدنيا حسنة " أي بلدة
حسنة
وهي المدينة ، أو حالة حسنة وهي النصر على الاعداء ( 2 ) .
وقال في قوله تعالى : " إلا من اكره " : نزل في جماعة اكرهوا ، وهم عمار
وياسر أبوه وامه سمية ، وصهيب وبلال وخباب عذبوا ، وقتل أبوعمار وأمه
فأعطاهم عمار بلسانه مما أرادوا منه ، ثم اخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ،
فقال قوم :
كفر عمار ، فقال صلى الله عليه وآله : كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ،
واختلط
الايمان بلحمه ودمه ، وجاء عمار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي فقال
صلى الله عليه وآله : ما
وراك ، قال : شر يا رسول الله ، ما تركت حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير
فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح عينيه ويقول : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت
، فنزلت
الآية ، عن ابن عباس وقتادة ، وقيل : نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا وخرجوا
يريدون المدينة فأدركهم قريش وفتنوهم فتكلموا بكلمة الكفر كارهين عن مجاهد
وقيل : إن ياسر وسمية أبوا ( 3 ) عمار أول شهيدين في الاسلام ، وقوله : " من كفر
بالله * ومن شرح بالكفر صدرا " هو عبدالله بن سعيد ( 4 ) بن أبي سرح من بني عامر بن
لوي ، وأما قوله : " ثم إن ربك للذين هاجروا " الآية ، قيل : إنها نزلت في
عباس ( 5 ) بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة ، وأبي جندل بن سهيل بن عمرو
* ( هامش ) * ( 1 ) في سيرة ابن هشام 2 : 89 : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله
ربح صهيب ،
ربح صهيب .
( 2 ) مجمع البيان 6 : 361 .
( 3 ) في المصدر : أبوى عمار .
( 4 ) في المصدر : عبدالله بن سعد .
( 5 ) في المصدر : عياش ، وهو الصحيح ، والرجل هو عياش بن أبى ربيعة بن المغيرة بن
عبدالله بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومى ، واسم ابيه عمرو ويلقب ذا الرمحين ، أسلم
قديما
وهاجر الهجرتين . استشهد باليمامة وقيل : باليرموك ، وقيل : مات سنة 15 .
[ 36 ]
والوليد بن المغيرة ، وغيرهم من أهل مكة ، فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا
ثم إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا فنزلت الآية فيهم " وقلبه مطمئن " أي ساكن
" بالايمان " ثابت عليه ، فلا حرج عليه في ذلك " ولكن من شرح بالكفر صدرا "
أي من اتسع قلبه للكفر وطابت نفسه به " من بعد ما فتنوا " أي عذبوا في الله و
ارتدوا على الكفر فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم " ثم جاهدوا "
مع النبي صلى الله عليه وآله " وصبروا " على الدين والجهاد " إن ربك من بعدها " أي
من بعد
تلك الفتنة أو الفعلة التي فعلوها من التفوه بكلمة الكفر ( 1 ) .
وقال في قوله تعالى : " يا عبادي الذين آمنوا " : قيل : إنها نزلت في المستضعفين
من المؤمنين بمكة ، أمروا بالهجرة عنها ، ونزل قوله : " وكأين من دابة " في جماعة
كانوا بمكة يؤذيهم المشركون ، فأمروا بالهجرة إلى المدينة ، فقالوا : كيف نخرج
إليها وليس لنا بها دار ولا عقار ؟ من يطعمنا ومن يسقينا ؟ " إن أرضي واسعة "
فاهربوا
من أرض يمنعكم أهلها من الايمان والاخلاص في عبادتي .
وقال أبوعبدالله عليه السلام : معناه إذا عصي الله في أرض أنت فيها فاخرج منها إلى
غيرها " وكأين من دابة " أي وكم من دابة لا يكون رزقها مدخرا معدا ، وقيل :
معناه لا يطيق حمل رزقها لضعفها ، وتأكل بأفواهها ( 2 ) .
وفي قوله تعالى : " من قريتك " : يعني مكة " التي أخرجتك " أي أخرجك
أهلها ، والمعنى كم من رجال هم أشد من أهل مكة " أهلكناهم فلا ناصر لهم " يدفع
عنهم إهلاكنا إياهم ، فما الذي يؤمن هؤلاء أن أفعل بهم مثل ذلك ( 3 ) .
قوله تعالى : واهجرهم هجرا جميلا " ذهب المفسرون إلى أن المراد
مجانبتهم ومداراتهم وعدم مكافاتهم ، ولا يبعد أن يكون المراد الهجرة من مكة إلى
المدينة .
* ( هامش ) * ( 1 ) مجمع البيان 6 : 387 و 388 .
( 2 ) مجمع البيان 8 : 290 و 291 .
( 3 ) مجمع البيان 9 : 100 .
[ 37 ]
1 - فس : " وما كانوا ألياءه " يعني قريشا ما كانوا أولياء مكة " إن أولياؤه
إلا المتقون " أنت وأصحابك يامحمد ، فعذبهم الله بالسيف يوم بدر فقتلوا ( 1 ) .
2 - فس : " إن الذين آمنوا وهاجروا " إلى قوله : " أولياء بعض " فإن
الحكم كان في أول النبوة أن المواريث كانت على الاخوة لا على الولادة ، فلما
هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة آخى بين المهاجرين والمهاجرين ،
وبين الانصار
والانصار وآخى بين المهاجرين والانصار ، فكان إذا مات الرجل ( 2 ) يرثه أخوه
في الدين ويأخذ المال ، وكان ما ترك له دون ورثته ، فلما كان بعد بدر أنزل الله :
" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم أولى
ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ( 3 )
"
فنسخت آية الاخوة " بعضهم أولى ببعض " . قوله : " والذين آمنوا ولم يهاجروا " الآية
فإنها نزلت في الاعراب ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله صالحهم على أن يدعهم
في ديارهم
ولا يهاجروا إلى المدينة ، وعلى أنه إن أرادهم رسول الله صلى الله عليه وآله غزا
بهم ولم يكن
لهم في الغنيمة شئ ، وأوجبوا على النبي صلى الله عليه وآله أنه إن أرادهم الاعراب
من غيرهم
أو دهاهم دهم من عدوهم أن ينصرهم إلا على قوم بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وآله
عهد و
ميثاق إلى مدة " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " يعني يوالي بعضهم بعضا ، ثم
قال : " إلا تفعلوه " يعني إن لم تفعلوه ، فوضع حرف مكان حرف " تكن فتنة " أي
كفر في الارض " وفساد كبير " ثم قال : " والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا
معكم فاولئك منكم واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " قال : نسخت
قوله : " والذين عاهدت ( 4 ) أيمانكم فآتوهم نصيبهم ( 5 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) تفسير القمى : ص 253 و 254 .
( 2 ) في المصدر : فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة آخى بين
المهاجرين
وبين الانصار ، فكان إذا مات الرجل إه .
( 3 ) الاحزاب : 6 .
( 4 ) هكذا في النسخ ، وفى المصدر : " والذين عقدت " وهو الصحيح راجع سورة
النساء : 33 .
( 5 ) تفسير القمى : ص 256 و 257 .
[ 38 ]
3 - فس : " والذين هاجروا في الله " أي هاجروا وتركوا الكفار في الله
" لنبوئنهم " أي لنثبتنهم . ( 1 )
4 - فس : في رواية أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله : " يا عبادي
الذين آمنوا إن أرضي واسعة " يقول : لا تطيعوا أهل الفسق من الملوك ، فإن
خفتموهم أن يفتنوكم عن دينكم فإن أرضي واسعة ( 2 ) .
5 - فس : " وكأين من قرية " الآية قال : إن الذين أهلكناهم من الامم
السالفة كانوا أشد قوة من قريتك ، يعني أهل مكة الذين أخرجوك منها ، فلم يكن
لهم ناصر ( 3 ) .
6 - أقول : قال في المنتقى كانت الهجرة سنة أربع عشرة من المبعث ، وهي
سنة أربع وثلاثين من ملك كسرى برويز ، سنة تسع لهرقل ( 4 ) ، وأول هذه السنة
المحرم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله مقيما بمكة لم يخرج منها ، وقد كان
جماعة خرجوا
في ذي الحجة ، وقال محمد بن كعب القرظي : ( 5 ) اجتمع قريش على بابه وقالوا :
إن محمدا يزعم أنكم إن بايعتموه كنتم ملوك العرب والعجم ، ثم بعثتم بعد موتكم
فجعل لكم جنان كجنان الارض وإن لم تفعلوا كان لكم من الذبح ثم بعثتم بعد موتكم
فجعلت لكم نار تحرقون بها ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ حفنة ( 6 ) من
تراب ثم
قال : نعم أنا أقول ذلك ، فنثر التراب على رؤوسهم وهو يقرأ " يس " ( 7 ) إلى قوله :
* ( هامش ) * ( 1 ) تفسير القمى : 360 .
( 2 ) تفسير القمى : 497 .
( 3 ) تفسير القمى : 626 .
( 4 ) هرقل بكسر الها وفتح الراء وسكون القاف أو كزبرج : ملك الروم ، اول من ضرب
الدنانير ، واول من أحدث البيعة .
( 5 ) بضم القاف وفتح الراء منسوب إلى قريظة ، والرجل هو محمد بن كعب بن سليم
بن أسد أبوحمزة القرظى المدنى ، كان من فضلاء المدينة ، نزل الكوفة مدة ، ولد سنة
اربعين
وتوفى بالمدينة سنة 120 وقيل : قبل ذلك ، يروى عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما .
( 6 ) الحفنة : ملء الكفين .
( 7 ) السورة : 36 .
[ 39 ]
" وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ( 1 ) " فلم
يبق منهم رجل وضع على رأسه التراب إلا قتل يوم بدر ، ثم انصرف إلى حيث أراد
فأتاهم آت لم يكن معهم فقال : ما تنتظرون ههنا ؟ قالوا : محمدا ، قال : قد والله
خرج
محمد عليكم ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه التراب وانطلق لحاجته
فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه التراب ، ثم جعلوا يطلعون فيرون
عليا على الفراش متشحا ( 2 ) ببرد رسول الله صلى الله عليه وآله ، فيقولون : إن هذا
لمحمد نائم
عليه برده . فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا ، فقام علي من الفراش فقالوا : والله
لقد صدقنا الذي كان حدثنا به .
وروى الواقدي عن أشياخه أن الذين كانوا ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وآله تلك
الليلة من المشركين أبوجهل ، والحكم بن أبي العاص ، وعقبة بن أبي معيط ، والنضر
ابن الحارث ، وامية بن خلف ، وابن الغيطلة ، وزمعة بن الاسود ، وطعمة بن عدي
وأبولهب ، وأبي بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، فلما أصبحوا قام علي عليه
السلام
من الفراش فسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : لا علم لي به .
وروي أنهم ضربوا عليا وحبسوه ساعة ثم تركوه .
وأورد الغزالي في كتاب إحياء العلوم أن ليلة بات علي بن أبي طالب عليه السلام
على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله أوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل أني
آخيت بينكما
وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بحياته ؟ فاختار
كل منهما الحياة وأحباها ، فأوحى الله تعالى إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن
أبي طالب عليه السلام ، آخيت بينه وبين محمد ، فبات على فراشه يفديه بنفسه ، ويؤثره
بالحياة ، اهبطا إلى الارض فاحفظاه من عدوه ، فكان جبرئيل عند رأسه ، وميكائيل
عند رجليه ، وجبرئيل عليه السلام ينادي : بخ بخ ، من مثلك يابن أبي طالب ؟ يباهي
الله
بك الملائكة ، فأنزل الله عزوجل : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله
* ( هامش ) * ( 1 ) الاية : 9 .
( 2 ) توشح بثوبه : لبسه أو أدخله تحت ابطه فالقاه على منكبه . ( * )
[ 40 ]
والله رؤوف بالعباد ( 1 ) " .
أقول : وساق حديث الغار إلى أن قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله حين أتى
الغار دعا
بشجرة فأتته فأمرها أن تكون على باب الغار ، وبعث الله حمامتين فكانتا على فم الغار
، و
نسج العنكبوت على فم الغار ، ثم أقبل فتيان قريش ، وكان أبوجهل قد أمر مناديا ينادي
بأعلى مكة وأسفلها : من جاء بمحمد أو دل عليه فله مائة بعير ، أو جاء بابن أبي
قحافة
أو دل عليه فله مائة بعير ، فلما رأوا الحمامتين ونسج العنكبوت على فم الغار
انصرفوا
فدعا النبي صلى الله عليه وآله للحمام ، وفرض جزاءهن ، وانحدرن في الحرم ، ونهى عن
قتل
العنكبوت ، وقال : هي جند من جنود الله .
وروي عن عبدالله بن بريدة ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يتطير ،
وكان
يتفأل ، وكانت قريش جعلت مائة من الابل فيمن يأخذ نبي الله صلى الله عليه وآله
فيرده عليهم
حين توجه إلى المدينة ، فركب بريدة ( 2 ) في سبعين راكبا من أهل بيته من بني
سهم ، فتلقى نبي الله صلى الله عليه وآله ، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله : من
أنت ؟ قال : أنا بريدة ، فالتفت
إلى أبي بكر فقال : يا أبا بكر برد أمرنا وصلح ، ثم قال : وممن أنت ؟ قال : من أسلم
قال صلى الله عليه وآله : سلمنا ، قال : ممن ؟ قال : من بني سهم ، قال : خرج سهمك ،
فقال بريدة
للنبي صلى الله عليه وآله : من أنت ؟ فقال : أنا محمد بن عبدالله رسول الله ، فقال
بريدة : أشهد أن
لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه
جميعا
فلما أصبح قال بريدة للنبي صلى الله عليه وآله : لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء ،
فحل عمامته
ثم شدها في رمح ، ثم مشى بين يديه فقال : يا نبي الله تنزل علي ؟ فقال له النبي
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 19 من ص 40 سطر 19 الى ص 48 سطر 18
صلى الله عليه وآله : إن ناقتي هذه مأمورة ، قال بريدة : الحمد لله أسلمت بنو سهم
طائعين غير مكرهين ( 3 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) البقرة : 207 .
( 2 ) من المدينة متوجها إلى مكة . والرجل هو بريدة بن الحصيب ابوسهل الاسلمى .
( 3 ) المنتقى في مولد المصطفى : الفصل الثانى في خروجه صلى الله عليه وآله وخروج
ابى بكر إلى الغار .
[ 41 ]
بيان : قال في الفائق : برد أمرنا ، أي سهل ، من العيش البارد ، وهو الناعم
السهل ، وقيل : ثبت ، من برد لي عليه حق ، خرج سهمك : أي ظفرت ، وأصله أن
يجيلوا السهام على شئ ، فمن خرج سهمه حازه .
ثم قال في المنتقى : وروي بالاسناد المتصل عن خرام ( 1 ) بن هشام بن جيش ( 2 )
عن أبيه ، عن جده صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله أن النبي صلى الله عليه وآله
لما خرج مهاجرا من
مكة خرج هو وأبوبكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ، ودليلهم عبدالله بن الاريقط
فمروا على خيمة ام معبد الخزاعية ، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ، ثم
تسقي وتطعم ، فسألوها تمرا ولحما يشترون ، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك ، فإذا
القوم مرملون مسنتون ، فقالت : والله لو كان عندنا شئ ما أعوزناكم القرى ، فنظر
رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شاة في كسر الخيمة ، فقال : ما هذه الشاة يا ام
معبد ؟ فقالت
شاة خلفها الجهد من الغنم ، قال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك ، قال :
أتأذنين أن أحلبها ؟ قالت : نعم بأبي أنت وامي إن رأيت بها حلبا فاحلبها ، فدعا بها
رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح بيده ضرعها ، وسمى الله عزوجل ودعا لها في شاتها
، فتفاجت
عليه ودرت واجترت ، ودعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء
ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا ، ثم شرب رسول الله صلى الله عليه وآله
آخرهم ثم
أراضوا ثم حلب ثانيا بعد بدء ( 3 ) حتى امتلا الاناء ، ثم غادره عندها ، ثم بايعها
، وارتحلوا
فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبومعبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزالا ، مخاخهن
قليل ، فلما رأى أبومعبد اللبن عجب وقال : من أين لك هذا اللبن يا ام معبد ، و
الشاة عازب ( 4 ) حيال ولا حلوبة بالبيت ؟ قالت : لا والله إلا أنه مر بنا رجل
مبارك
من حاله كذا وكذا ، قال : صفيه لي يا ام معبد ، قالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاءة
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : حزام بالحاء المهملة والزاى المعجمة ولعله الصواب .
( 2 ) في نسخة : حبش ، وفى اخرى : حبيش ولعله الصحيح .
( 3 ) في نسخة : بعد بداء .
( 4 ) أى بعيد من المرعى .
[ 42 ]
أبلج الوجه ، حسن الخلق ، لم تعبه ثجلة ، وفي رواية : نحلة ، ولم يزريه ( 1 ) صقلة
وسيم قسيم ، في عينيه دعج ، وفي أشفاره غطفة ، وفي صوته صهل ، وفي عنقه سطع ، و
في لحيته كثافة ( 2 ) أزج أقرن ، إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سما به وعلاه
البهاء
أكمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحسنه وأعلاه من قريب ، حلو المنطق فصل ، لا نزر
ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربعة ( 3 ) لا يأس من طول ولا
تقتحمه العين من قصر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظرا ، وأحسنهم
قدرا ، له رفقاء يحفون به ، إن قال نصتوا لقوله ، وإن أمر تبادروا إلى أمره ،
محفود محشود ، لا عابس ولا مفند ( 4 ) .
قال أبومعبد : هذا والله صاحب قريش الذي ذكروا لنا من أمره ما ذكر
بمكة ، ولقد هممت أن أصحبه ولافعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا ، فأصبح صوت
بمكة عاليا يسمعون الصوت ، ولا يدرون من صاحبه أبياتا منها ( 5 ) :
فيا لقصي ما زوى الله عنكم * به من فعال لا يجازى وسودد
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : ولم يؤذ به صقله وقال : الصقل : منقطع الاضلاع .
( 2 ) قال الجزري في النهاية ، في صفته كث اللحية ، الكثاثة في اللحية أن تكون غير
دقيقة
ولا طويلة انتهى أقول : الكثافة ، الغلظ والخشونة والكثرة ، ومن المحتمل أن يكون
الكثافة
مصحفا من الكثاثة
( 3 ) في النهاية : في صفته صلى الله عليه وآله : أطول من المربوع ، هو بين الطويل
والقصير
يقال : رجل ربعة ومربوع .
( 4 ) في نسخة : ولا معتد به .
( 5 ) قوله : " ابياتا منها " المصدر خال عنه ، ولعله من المصنف ، أى ثم ذكر ابياتا
منها
وذكر في المصدر في صدر الابيات بيتين لم يذكرهما المصنف وهما :
جزى الله رب العالمين خير جزائه * رفيقين قالا خيمتى ام معبد
هما نزلاها بالهدى فاهتدت به * فقد فاز من أمسى رفيق محمد
وفى سيرة ابن هشام 2 : 100 : رفيقين حلا خيمتى ام معبد .
وفيه :
هما نزلا بالبر ثم تروحا * فافلح من أمسى رفيق محمد
وفى تاريخ الطبرى 2 : 105 : هما نزلاها بالهدى واغتدوا به .
[ 43 ]
ليهن بني كعب مقام فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا اختكم عن شاتها وإنائها * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت * عليه صريحا ضرة الشاة مزبد
فغادرها رهنا لديها لحالب * يرددها في مصدر ثم مورد ( 1 )
فأصبح القوم قد فقدوا نبيهم وأخذوا على خيمتي ام معبد ، فلما سمع
بذلك حسان بن ثابت نشب ( 2 ) يجاوب الهاتف :
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * وقدس من يسري إليهم ويقتدي ( 3 )
ترحل عن قوم فزالت عقولهم * وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم * وأرشدهم من يتبع الحق يرشد ( 4 )
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مشهد ( 5 )
ليهن بني كعب مقام فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد ( 6 )
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر في آخر الابيات بيت هو :
ليهن ابا بكر سعادة جده * بصحبته من يسعد الله يسعد .
( 2 ) في المصدر : شبب .
( 3 ) في المصدر : ويفتدى . وفى المناقب : ويغتدى . راجع ج 18 ص 93 .
( 4 ) زاد في المصدر هنا بيتان هما :
وهل يستوى ضلال قوم تسفهوا * عمايتهم هادى به كل مهتد
وقد نزلت منه على أهل يثرب * ركاب هدى حلت عليهم بأسعد
( 5 ) في المصدر هنا ايضا بيتان هما :
وان قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبابكر صحابة جده * بصحبته من يسعد الله يسعد
أقول : في المناقب : فتصديقها في ضحوة العيد أو غد . راجع ج 18 ص 93 .
( 6 ) المنتقى في مولود المصطفى : الفصل الثالث فيما جرى له وطريقه إلى المدينة
وقصة
ام معبد .
أقول : ذكر الطبرى في تاريخه 2 : 105 باسناده إلى عبدالحميد بن أبى عبس بن محمد بن
أبى عبس بن جبير ، عن أبيه قال : سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبى قبيس :
فان يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف المخالف .
فلما أصبحوا قال أبوسفيان : من السعدان ؟ سعد بكر ، سعد تميم ، سعد هذيم ؟ فلما كان
في - -
[ 44 ]
بيان : قوله : برزة ، أي كبيرة السن تبرز للناس ، ولا تستر منهم ، وفي النهاية
يقال : امرأة برزة : إذا كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشواب ، ومع ذلك عفيفة
عاقلة تجلس للناس وتحدثهم ، من البروز وهو الظهور والخروج ، جلدة أي عاقلة
والاحتباء نوع للجلوس معروف ، والمرملون : الذين فنيت أزوادهم ، وأصله من الرمل
كأنهم لصقوا بالرمل ، كما قيل للفقير : الترب ، والمسنتون : الذين لم يصب أرضهم
مطر فلم تنبت شيئا ، والتاء التي في آخره بدل من حروف العلة الملقاة وصارت
كالاصلية فيه ، وكسر الخيمة بكسر الكاف وفتحها : الشقة السفلى من الخباء ترفع
وقتا وترخى وقتا ، وقيل : هي في مقدم الخيمة ، وقيل : في مؤخرها ، وقيل : لكل
بيت كسران عن يمين وشمال ، خلفها الجهد بالفتح ، أي المشقة والهزال ، والتفاج
المبالغة في التفريج ما بين الرجلين ، درت : أرسلت اللبن ، واجترت من الجرة ( 1 )
وهي ما يخرجها البهيمة من كرشها يمضغها ، وإنما يفعل ذلك الممتلئ علفا ، فصارت
هذه الشاة كذلك مع ما بها من قلة الاعتلاف ، يربض أي يروي الرهط حتى يربضوا
أي يقعوا على الارض للنوم والاستراحة ، يحكي سعة الاناء وعظمه ، والثج :
السيلان ، أي لبنا سائلا كثيرا ، والبهاء : وبيض رغوة اللبن ، ثم أراضوا - وفي بعض
الروايات حتى أراضوا - أي شربوا عللا بعد نهل حتى رووا ، من أراض الوادي :
إذا استنقع فيه الماء ، وقيل : أراضوا ، أي ناموا على الارض ، وهو البساط ، وقيل :
حتى صبوا اللبن على الارض ، قوله : ثم بايعها ، أي أعطاها ثمن اللبن ، أو اشترى
منها شيئا آخر ، ويحتمل البيعة أيضا ، عازب ، أي بعيدة المرعى ، لا تأوي إلى المنزل
* ( هامش ) * ( 1 ) الليلة الثالثة سمعوه يقول :
أيا سعد سعد الاوس كن انت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعى الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف
فان ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف
فلما اصبحوا قال أبوسفيان : هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة .
( 1 ) بالفتح والكسر .
[ 45 ]
في الليل ، غادره أي تركه ، يتساوكن هزالا ، أي يتمايلن من الضعف ، وفي بعض
رواياتهم تساوك هزالا ، وفي بعضها : ما تساوك ، يقال : تساوكت الابل : إذا اضطربت
أعناقها من الهزال ، ويقال : أيضا : جاءت الابل ما تساوك هزالا ، أي ما تحرك رؤوسها
والمخاخ جمع مخ مثل كم وكمام ، وإنما لم يقل قليلة لانه أراد أن مخاخهن شئ
قليل [ قال عبيدالله بن حر الجعفي :
إلى الله نشكو ما نرى من جيادنا * تساوك هزلى مخهن قليل .
وقلة المخ ورقته تدل على الهزال ( 1 ) ] حيال ، أي لم تحمل ، والوضاءة : الحسن ،
أبلج الوجه : مشرقه وليس المراد بلج الحاجب وهو نقارة بين الحاجبين لانها وصفه
بالاقرن ] ( 2 ) نحلة ، من رواه بالنون والحاء قال : من نحل جسمه نحولا ، ومن رواه
بالثاء والجيم قال : هو من قولهم : رجل أثجل ، أي عظيم البطن ، ولم يزريه صقلة
أي لم يصر سببا لحقارته ونحوله ، وقيل : أرادت أنه لم يكن منتفخ الخاصرة جدا
ولا ناحالا جدا ، ويروى بالسين بالابدال من الصاد . ويروى بالصاد والعين ، وهي
صغر الرأس ، والوسامة والقسامة : الحسن ، والغطف بالغين المعجمة : طول الاشفار
وانعطافها وروي بالعين وهو التثني . وقيل ، أي طول كأنه طال وانعطف ، وفي
رواية وطف وهو الطول أيضا ، صهل أي حدة وصلابة ، من صهيل الخيل ، وفي رواية
صحل بالحاء وهو كالبحة في الصوت ، والسطع : طول العنق ، وسما به أي علا به وارتفع
أي بكلامه على من حوله ، وقيل : علا برأسه أو بيده . فصل أي بين ظاهر ، يفصل
بين الحق والباطل ، والنزر : القليل ، والهذر من الكلام : ما لا فائدة فيه ، قوله :
لا يأس أي لا يؤيس من طوله ، لانه كان إلى الطول أقرب منه إلى القصر ، وروي لا
يأس قيل : معناه لا ميؤوس من أجل طوله ، فاعل بمعنى مفعول ، أي لا ييأس مباريه
من مطاولته ، وروي لا باين من طول ، أي لا يجاوز الناس طولا ، لا تقتحمه أي لا
تحقره ، أنضر الثلاثة من النضرة وهي الحسن والنعمة ، محفود ، أي مخدوم ، محشود
أي تجتمع الناس حواليه ، ولا مفند أي لا ينسب إلى الجهل ، وروي ولا معتد ، أي
* ( هامش ) * ( 1 و 2 ) الزيادة من النسخة المخطوطة .
[ 46 ]
ظالم ، واللام في قوله يالقصي للتعجب ، نحو يا للماء ، قوله : ما زوى الله عنكم ،
أي
ما قبضه منكم ، ومنعه عنكم ، قوله : ليهن أصلها الهناء ، وطرح الهمزة منه تخفيف
وتمهيد لوزن الشعر ، والصريح : اللبن الخالص الذي لم يمزج ، والضرة : الضرع
وقيل لحمه ؟ والمزبد : الذي علاه الزبد ، وهو معنى قوله : حتى علاه البهاء ، وهو
صفة
الصريح ، وإعرابه بخلاف إعرابه ، وقيل : إنه جر على الجوار ، قوله : فغادرها رهنا ،
أي
ترك الشاة لتكون معجزة له عند من أراد حلبها ، وتصديقا لحكاية ام معبد عنه ،
والمرصد
موضع الرصد ، وهم القوم الذى يرصدون الطرق ، قوله نشب بالنون ، أي أخذ في
الشعر وعلق فيه ، ويروى شبب أي ابتدأ في جوابه من تشبيب الكتب ، وهو الابتداء
بها والاخذ فيها ، وليس من تشبيب النساء في الشعر .
7 - ل : قال أمير المؤمنين عليه السلام في جواب اليهودي الذي سأل عما فيه من
علامات الاوصياء فقال فيما قال : وأما الثانية يا أخا اليهود فإن قريشا لم تزل تخيل
الآراء ، وتعمل الحيل في قتل النبي صلى الله عليه وآله حتى كان آخر ما اجتمعت في
ذلك يوم
الدار : دار الندوة ، وإبليس الملعون حاضر في صورة أعور ثقيف ، فلم تزل تضرب
أمرها ظهرا لبطن حتى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كل فخذ من قريش
رجل ، ثم يأخذ كل رجل منهم سيفه ، ثم يأتي النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم على
فراشه
فيضربونه جميعا بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه ، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها
ولم تسلمها فيمضي دمه هدرا ، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله
فأنباه بذلك ،
وأخبره باللية التي يجتمعون فيها ، والساعة التي يأتون فراشه فيها ، وأمره بالخروج
في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار ، فأخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بالخبر ،
وأمرني أن
أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي ، فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا لنفسي بأن
اقتل دونه ، فمضى صلى الله عليه وآله لوجهه ، واضطجعت في مضجعه ، وأقبلت رجالات
قريش
موقنة في أنفسها أن تقتل النبي صلى الله عليه وآله ، فلما استوى بي وبهم البيت الذي
أنا فيه
ناهضتهم بسيفي ، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس ، ثم أقبل على أصحابه
[ 47 ]
فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين ( 1 ) .
8 - عم ، ص ، فس : " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك
أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " فإنها نزلت بمكة قبل
الهجرة ، وكان سبب نزولها أنه لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وآله الدعوة بمكة
قدمت عليه
الاوس والخزرج ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : تمنعوني وتكونون لي جارا
حتى أتلو
عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة ؟ فقالوا : نعم ، خذ لربك ولنفسك
ما شئت ، فقال لهم : موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق ، فحجوا
ورجعوا إلى منى ، وكان فيهم ممن قد حج بشر كثير ، فلما كان اليوم الثاني من
أيام التشريق قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان الليل فاحضروا دار
عبدالمطلب على
العقبة ، ولا تنبهوا نائما ، ولينسل ( 2 ) واحد فواحد ، فجاء سبعون رجلا من الاوس
والخزرج ، فدخلوا الدار ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : تمنعوني
وتجيروني حتى أتلو
عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة ؟ فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور
وعبدالله بن حزام ( 3 ) : نعم يا رسول الله ، اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، فقال :
أما ما
أشترط لربي فأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون
أنفسكم وتمنعون أهلي مما تمنعون أهاليكم وأولادكم ، فقالوا : فما لنا على ذلك ؟
فقال :
الجنة في الآخرة وتملكون العرب وتدين لكم العجم في الدنيا وتكونون ملوكا في الجنة (
4 )
فقالوا قد رضينا ، فقال : أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون شهداء عليكم بذلك
كما أخذ موسى عليه السلام من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا ، فأشار إليهم جبرئيل فقال
:
هذا نقيب ، وهذا نقيب ، تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الاوس ، فمن الخزرج أسعد
ابن زرارة ، والبراء بن معرور ، وعبدالله بن حزام ( 5 ) أبوجابر بن عبدالله ، ورافع
بن
* ( هامش ) * ( 1 ) الخصال 2 : 14 و 15 .
( 2 ) انسل : انطلق في استخفاء .
( 3 و 5 ) الصحيح : حرام .
( 4 ) قوله : " تكونون ملوكا في الجنة " تفسير القمى خال عنه .
[ 48 ]
مالك ، وسعد بن عبادة ، والمنذر بن عمر ( 1 ) ، وعبدالله بن رواحة ، وسعد بن الربيع
،
وعبادة بن الصامت ، ومن الاوس أبوالهيثم بن التيهان ، وهو من اليمن ، واسيد بن
حضير ( 2 ) وسعد بن خيثمة ( 3 ) ، فلما اجتمعوا وبايعوا لرسول الله صاح إبليس يا
معشر قريش والعرب هذا محمد والصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على
حربكم ، فأسمع أهل منى وهاجت قريش ، فأقبلوا بالسلاح ، وسمع رسول الله صلى الله
عليه وآله
النداء فقال للانصار : تفرقوا ، فقالوا : يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم
بأسيافنا
فعلنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لم اؤمر بذلك . ولم يأذن الله لي في
محاربتهم ، قالوا :
فتخرج معنا ؟ قال : أنتظر أمر الله ، فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح
وخرج حمزة وأمير المؤمنين عليهما السلام ومعهما السيف فوقفا على العقبة ، فلما نظرت
قريش
إليهما قالوا : ما هذا الذي اجتمعتم له ؟ فقال حمزة : ما اجتمعنا وما ههنا أحد ،
والله
لا يجوز هذه العقبة أحد إلا ضربته بسيفي ( 4 ) فرجعوا إلى مكة وقالوا : لا نأمن أن
يفسد
أمرنا ويدخل واحد من مشايخ قريش في دين محمد ، فاجتمعوا في دار الندوة وكان لا يدخل
دار
الندوة إلا من أتى عليه أربعون سنة فدخلوا أربعين رجلا من مشايخ قريش ، وجاء إبليس
في صورة شيخ كبير فقال له البواب : من أنت ؟ قال : أنا شيخ من أهل نجد لا يعدمكم (
5 )
مني رأي صائب ، إني حيث بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل فجئت لاشير
عليكم ، فقال : ادخل ، فدخل إبليس فلما أخذوا مجلسهم قال أبوجهل : يا معشر
قريش إنه لم يكن أحد من العرب أعز منا ، نحن أهل الله تفد إلينا العرب في السنة
* ( هامش ) * ( 1 ) هكذا في النسخ ، والصحيح المنذر بن عمرو .
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 19 من ص 48 سطر 19 الى ص 56 سطر 18
( 2 ) في نسخة : اسيد بن حصين ، وفى اخرى : أسد بن حضير وكلاهما مصحفان ، واسيد بضم
الهمزة ، وحضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة ، والرجل هو اسيد بن حضير بن
سماك
ابن عتيك الانصارى الاشهلى ابويحيى صحابى ، مات سنة 20 - او 21 .
( 3 ) في بعض المصادر خثيمة بتقديم الثاء وهو مصحف ، والصحيح خيثمة بتقديم الياء
على
الثاء .
( 4 ) في نسخة : الا رويت سيفى هذا من دمه .
( 5 ) في نسخة : لا يعدوكم .
[ 49 ]
مرتين ويكرموننا ، ونحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع ، فلم نزل كذلك حتى
نشأ فينا محمد بن عبدالله ، فكنا نسميه الامين لصلاحه وسكونه وصدق لهجته حتى
إذا بلغ ما بلغ وأكرمناه ادعى أنه رسول الله ، وأن أخبار السماء تأتيه ، فسفه
أحلامنا وسب آلهتنا ، وأفسد شباننا ، وفرق جماعتنا ، وزعم أنه من مات من أسلافنا
ففي النار ، فلم يرد علينا شئ أعظم من هذا ، وقد رأيت فيه رأيا ، قالوا : وما رأيت
؟
قال رأيت أن ندس إليه رجلا منا ليقتله ، فإن طلبت بنو هاشم بدمه ( 1 ) أعطيناهم
عشر ديات ، فقال الخبيث : هذا رأي خبيث ، قالوا : وكيف ذاك ؟ قال : لان قاتل
محمد مقتول لا محالة . فمن هذا الذي يبذل نفسه للقتل منكم ، فإنه إذا قتل محمد
تعصب ( 2 ) بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة ، وإن بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل
محمد على وجه الارض ، فيقع بينكم الحروب في حرمكم وتتفانوا ، فقال آخر منهم :
فعندي رأي آخر ، قال : وما هو ؟ قال : نلقيه في بيت ونلقي إليه ( 3 ) قوته حتى
يأتيه ريب المنون ( 4 ) ، فيموت كما مات زهير والنابغة وامرؤ القيس ، فقال إبليس ،
: هذا
أخبث من الآخر ، قال ( 5 ) : وكيف ذاك ؟ قال : لان بني هاشم لا ترضى بذلك ،
فإذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم ، واجتمعوا عليكم فأخرجوه ، قال
آخر منهم : لا ولكنا نخرجه من بلادنا ، ونتفرغ نحن لعبادة آلهتنا ، فقال إبليس :
هذا أخبث من الرأيين المتقدمين ، قالوا : وكيف ؟ قال : لانكم تعمدون إلى أصبح
الناس وجها ، وأنطلق الناس لسانا ، وأفصحهم لهجة ، فتحملوه إلى بوادي العرب
فيخدعهم ويسحرهم بلسانه ، فلا يفجأكم إلا وقد ملاها عليكم خيلا ورجلا فبقوا
حائرين ، ثم قالوا لابليس : فما الرأي فيه يا شيخ ؟ قال : ما فيه إلا رأي واحد ،
* ( هامش ) * ( 1 ) في تفسير القمى : فان طلبت بنو هاشم بديته . وفى اعلام الورى :
فان طلبت بنو هاشم دمه .
( 2 ) في نسخة : تعصب . وفى التفسير : تغضب .
( 3 ) في نسخة : تلقى إليه . وفى اخرى : تلقى عليه . وفى التفسير : نثبته في بيت
ويلقى
عليه قوته .
( 4 ) في نسخة : حتى يأتى عليه ريب المنون .
( 5 ) في نسخة : قالوا .
[ 50 ]
قالوا : وما هي ( 1 ) ؟ قال : يجتمع من كل بطن من بطون قريش وقبائل العرب ما أمكن
ويكون معهم من بني هاشم رجل ، فيأخذون سكينة أو حديدة أو سيفا فيدخلون عليه
فيضربونه كلهم ضربة واحدة حتى يتفرق دمه في قريش كلها ، فلا يستطيع بنو -
هاشم أن يطلبوا بدمه ، وقد شاركوه فيه فان سألوكم أن تعطوهم الدية فأعطوهم ثلاث
ديات ، فقالوا : نعم وعشر ديات ، ثم قال ( 2 ) : الرأي رأي الشيخ النجدي ، فاجتمعوا
فيه ودخل معهم في ذلك أبولهب عم النبي صلى الله عليه وآله ، ونزل جبرئيل على رسول
الله صلى الله عليه وآله
وأخبره أن قريشا قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك وأنزل الله عليه في ذلك :
" وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله
والله خير الماكرين " واجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلا فيقتلوه وخرجوا ( 3 )
إلى المسجد يصفرون ويصفقون ويطوفون بالبيت ، فأنزل الله : " وما كان صلاتهم عند
البيت إلا مكاء وتصدية " ( 4 ) فالمكاء : التصفير ، والتصدية : صفق اليدين وهذه
الآية
معطوفة على قوله : " وإذ يمكر بك الذين كفروا " وقد كتبت بعد آيات كثيرة ،
فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله جاءت قريش ليدخلوا عليه ، فقال أبولهب : لا
أدعكم أن
تدخلوا عليه بالليل ، فإن في الدار صبيانا ونساء ، ولا نأمن أن تقع يد خاطئة ،
فنحرسه
الليلة ، فإذا أصبحنا دخلنا عليه ، فناموا حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله ،
وأمر رسول -
الله صلى الله عليه وآله أن يفرش له ، ففرش له ، فقال لعلي بن أبي طالب عليه السلام
: افدني بنفسك ،
قال : نعم يا رسول الله ، قال : نم على فراشي ، والتحف ببردتي ، فنام على فراش
رسول الله صلى الله عليه وآله والتحف ببردته وجاء جبرئيل فأخذ بيد رسول الله فأخرجه
على قريش
وهم نيام وهو يقرأ عليهم : ( 5 ) " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا
فأغشيناهم
* ( هامش ) * ( 1 ) في التفسير : وما هو ؟
( 2 ) في التفسير : ثم قالوا . وفى اعلام الورى : وقالوا باجمعهم .
( 3 ) قوله : وخرجوا إلى قوله : فلما أمسى مختص بتفسير القمى ، واعلام الورى خال
عنه ،
وأما كتاب قصص الانبياء فليست عندنا نسخته حتى نعلم ما فيه .
( 4 ) الانفال : 35 .
( 5 ) يس : 9 .
[ 51 ]
فهم لا يبصرون " وقال جبرئيل : خذ على طريق ثور ، وهو جبل على طريق منى ،
له سنام ( 1 ) كسنام الثور ، فدخل الغار ( 2 ) ، وكان من أمره ما كان ، فلما أصبحت
قريش وثبوا إلى الحجرة وقصدوا الفراش ، فوثب علي عليه السلام في وجوههم ، فقال :
ما شأنكم ؟ قالوا له : أين محمد ؟ قال : أجعلتموني عليه رقيبا ؟ ألستم قلتم : نخرجه
من بلادنا ؟ فقد خرج عنكم ، فأقبلوا على أبي لهب يضربونه ، ويقولون : أنت تخدعنا
منذ الليلة ( 3 ) ، فتفرقوا في الجبال ، وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له : أبوكرز
يقفو الآثار ، فقالوا : يا أبا كرز اليوم اليوم ، فوقف بهم على باب حجرة رسول الله
صلى الله عليه وآله ، فقال : هذه قدم محمد ، والله لانها لاخت القدم التي في المقام
، وكان أبوبكر
استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فرده معه ، فقال أبوكرز : وهذه قدم أبي قحافة
أو ابنه ،
ثم قال : وههنا غير ( 4 ) ابن أبي قحافة ، فما زال بهم حتى أوقفهم على باب الغار ،
ثم
قال : ما جازوا ( 5 ) هذا المكان ، إما إن يكونوا صعدوا إلى السماء ، أو دخلوا ( 6
)
تحت الارض ، وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار ، وجاء فارس من الملائكة
حتى وقف على باب الغار ، ثم قال : ما في الغار أحد ، فتفرقوا في الشعاب ، وصرفهم
الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أذن لنبيه في الهجرة ( 7 ) .
بيان : قال الجزري : فيه جاءت هوازن على بكرة أبيها ، هذه كلمة مثل للعرب
* ( هامش ) * ( 1 ) السنام : حدبة في ظهر البعير والثور .
( 2 ) في إعلام الورى : فمر رسول الله صلى الله عليه وآله وتلقاه أبوبكر في الطريق
فأخذ بيده
ومر به ، فلما انتهى إلى ثور دخل الغار .
( 3 ) في اعلام الورى : فأقبلوا إليه يضربونه فمنعهم أبولهب ، وقالوا : أنت كنت
تخدعنا منذ
الليلة . أقول : أى قالوا لعلى عليه السلام ، لانه بنومه على فراش رسول الله صلى
الله عليه وآله
خدعهم فكانوا يظنون أنه النبى صلى الله عليه وآله .
( 4 ) في نسخة : عبر .
( 5 ) في نسخة : ما جاوزوا .
( 6 ) في نسخة : صعدا ودخلا بالتثنية ، فعليها ، فالصحيح : ما جازا . أيضا .
( 7 ) تفسير القمى : 249 - 253 والالفاط منه ، اعلام الورى : 39 و 40 ط 1 و 69 - 73
ط 2 ، والفاظه يخالف المنقول ، قصص الانبياء : مخطوط .
[ 52 ]
يريدون بها الكثرة وتوفر العدد ، وأنهم جاؤوا جميعا لم يتخلف منهم أحد ، وليس
هناك بكرة في الحقيقة ، وهي التي يستقى عليها الماء ، فاستعيرت في هذا الموضع ، و
قال الجوهري : الندوة والنادي : مجلس القوم ومتحدثهم ( 1 ) ، ومنه سميت دار الندوة
بمكة التي بناها قصي ، لانهم كانوا يندون فيها ، أي يجتمعون فيها للمشاورة انتهى
والدس : الاخفاء . والدسيس : من تدسه ليأتيك بالاخبار . قوله : وههنا غير ابن
أبي قحافة ، لعله استفهام إنكاري ، أي ليس ههنا أحد يشبه قدمه هذا القدم إلا ابن
أبي قحافة ، وفي بعض النسخ عبر بالعين المهملة والباء الموحدة كما في ( عم ) وهو
أصوب أي أشار إلى موضع عبوره أو مبدأ لحوقه ، وعلى الاول يحتمل أن لا يكون
استفهاما إنكاريا ، بل يكون إشارة إلى موضع قدم شخص آخر ( 2 ) تبعهما إلى الغار
ثم رجع كما سيأتي .
9 - شى : عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم ، عن أحدهما عليهما السلام أن قريشا اجتمعت
فخرج من كل بطن اناس ، ثم انطلقوا إلى دار الندوة ليشاوروا فيما يصنعون برسول الله
صلى الله عليه وآله ، فإذا هم بشيخ قائم على الباب ، وإذا ذهبوا إليه ليدخلوا قال :
أدخلوني معكم ،
قالوا : ومن أنت يا شيخ قال : أنا شيخ من مضر ، ولي رأي أشير به عليكم ، فدخلوا
وجلسوا وتشاوروا وهو جالس ، وأجمعوا أمرهم على أن يخرجوه ، فقال : ليس هذا
لكم برأي : إن أخرجتموه أجلب ( 3 ) عليكم الناس فقاتلوكم ، قالوا : صدقت ما
هذا برأي ، ثم تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن يوثقوه ( 4 ) ، قال : هذا ليس بالرأي
إن فعلتم هذا ومحمد رجل حلو اللسان أفسد عليكم أبناء كم وخدمكم ، وما ينفعكم
أحدكم إذا فارقه ( 5 ) أخوه وابنه أو امرأته ، ثم تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن
* ( هامش ) * ( 1 ) متحدث القوم : الموضع الذى يتحدثون فيه .
( 2 ) وهو هند بن أبى هالة ، أو عبدالله بن اريقط الليثى على اختلاف يأتى في
الاخبار ، و
اختار المقريزى الثانى في امتاع الاسماع : 39 .
( 3 ) أجلب : أجمع .
( 4 ) أى يشدوه بالوثاق . والوثاق : ما يشد به من قيد وحبل ونحوهما .
( 5 ) أى فارق أحدكم اخوه وابنه او امرأته ، أى لا ينفع أحدكم أن تصلب في دينه ولم
يقبل
قول محمد وهو يفسد على عشيرته دينهم فيفارقونه وفى نسخة : وما ينفع احدكم ، وهو
الموجود في
البرهان أيضا .
[ 53 ]
يقتلوه ، يخرجون من كل بطن منهم بشاهر ( 1 ) فيضربونه بأسيافهم جميعا عند
الكتفين ( 2 ) ، ثم قرأ الآية : " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك " إلى
آخر الآية ( 3 ) .
10 - فس : أبي ، عن بعض رجاله ، رفعه إلى أبي عبدالله عليه السلام قال : لما كان
رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار قال لابي بكر : كأني أنظر إلى سفينة جعفر في
أصحابه ( 4 )
يعوم في البحر . وأنظر إلى الانصار محتبين في أفنيتهم ، فقال أبوبكر : وتراهم ( 5 )
يا رسول الله ؟ قال : نعم ، قال : فأرنيهم ، فمسح على عينيه فرآهم ، فقال في نفسه :
الآن صدقت أنك ساحر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : أنت الصديق . ( 6 )
11 - ما : جماعة ( 7 ) ، عن أبي المفضل ، عن أحمد بن سفيان بن العباس ، ( 8 )
عن أحمد بن عبيد بن ناصح ، عن محمد بن عمر بن واقد الاسلمي ، ( 9 ) عن إبراهيم بن
* ( هامش ) * ( 1 ) هكذا في النسخ ، وفى تفسير البرهان : ويخرجوا من كل بطن منهم
بشاب فيضربونه
بأسيافهم فأنزل الله اه .
( 2 ) في نسخة : عند الكعبين .
( 3 ) تفسير العياشى : ج ، 2 : 54 ، ورواه البحرانى في تفسير البرهان ، 2 : 78 .
( 4 ) في نسخة : وأصحابه تعوم ، وفى المصدر : في أصحابه يقوم . ولعله مصحف وتعوم أى
تسبح ، قال الجزرى في النهاية ، في الحديث : " علموا صبيانكم العوم " العوم :
السباحة ، يقال
عام يعوم عوما .
( 5 ) في نسخة : أتراهم ؟ .
( 6 ) تفسير القمى : 265 و 266 .
( 7 ) في المصدر : اخبرنا جماعة منهم الحسين بن عبدالله ( وهو مصحف عبيد الله أى
الغضائرى )
وأحمد بن عبدون وابوطالب بن عرفة وأبوالحسن الصفار ( الصقال خ ) وأبوعلى الحسن بن
اسماعيل بن اشناس قالوا : حدثنا ابوالمفضل محمد بن عبدالله بن المطلب الشيبانى .
( 8 ) وصفه في المصدر بالنحوى .
( 9 ) في نسخة أحمد وهو وهم ، وفى المصدر : محمد بن عمر بن واقد الاسلمى قاضى
الشرقية
وهو الصحيح وهو الواقدى المشهور ، راجع التقريب : 463 وغيره .
[ 54 ]
إسماعيل ( 1 ) ، عن داود بن حصين ، عن أبي غطفان ( 2 ) ، عن ابن عباس قال : اجتمع
المشركون في دار الندوة ليشتاوروا في أمر رسول الله ، وأتى جبرئيل رسول الله فأخبره
الخبر ، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة ، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه
وآله المبيت أمر
عليا عليه السلام أن يبيت في مضجعه تلك الليلة ، فبات علي عليه السلام ، وتغشى ببرد
أخضر
حضرمي كان لرسول الله صلى الله عليه وآله ينام فيه ، وجعل السيف إلى جنبه ، فلما
اجتمع
اولئك النفر من قريش يطيفون ( 3 ) ويرصدونه يريدون قتله ، فخرج رسول الله صلى الله
عليه وآله
وهم جلوس على الباب خمسة وعشرون رجلا ، ( 4 ) فأخذ حفنة من البطحاء ثم جعل
يذرها ( 5 ) على رؤوسهم وهو يقرأ " يس والقرآن الحكيم ( 6 ) " حتى بلغ " فأغشيناهم
فهم لا يبصرون ( 7 ) " فقال لهم قائل : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمدا ، قال : خبتم
وخزيتم ( 8 )
قد والله مر بكم ، فما منكم رجل إلا وقد جعل على رأسه ترابا ، قالوا : والله ما
أبصرناه
قال : فأنزل الله عزوجل : " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك
ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ( 9 ) " .
12 - ما ، جماعة ، عن أبي المفضل ، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن صفوان ، عن
محفوظ بن بحر ، عن الهيثم بن جميل ، عن قيس بن الربيع ، عن حكيم بن جبير ، عن
علي بن الحسين عليهما السلام في قول الله عزوجل : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة يعنى الاسلمى .
أقول : الرجل مذكور
في التراجم راجع التقريب : 19 .
( 2 ) بفتحات هو ابن طريق أو ابن مالك المرى المدنى ، قيل : اسمه سعد .
( 3 ) هكذا في النسخ ، وفى المصدر يطوفون .
( 4 ) في المصدر : عددهم خمسة وعشرون رجلا
( 5 ) أى نثرها .
( 6 ) السورة : 36 .
( 7 ) الاية : 9 .
( 8 ) في المصدر : خبتم وخسرتم .
( 9 ) مجالس ابن الشيخ : 284 و 285 . وفيه والله لقد مر بكم .
[ 55 ]
مرضات الله ( 1 ) " قال : نزلت في علي عليه السلام حين بات على فراش رسول الله صلى
الله عليه وآله . ( 2 )
13 - ما : جماعة ، عن أبي المفضل ، عن محمد بن العباس النحوي ، عن الخليل
ابن أسد ( 3 ) ، عن سعيد بن أوس قال : كان أبوعمرو بن العلاء إذا قرأ " ومن الناس
من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " قال : كرم الله عليا عليه السلام فيه نزلت هذه
الآية . ( 4 )
14 - ما : جماعة ، عن أبي المفضل ، عن محمد بن محمد بن سليمان ( 5 ) ، عن محمد
ابن الصباح ، عن محمد بن كثير ، عن عوف الاعرابي من أهل البصرة ، عن الحسن
ابن أبي الحسن ، عن أنس بن مالك قال : لما توجه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى
الغار ومعه
أبوبكر أمر النبي صلى الله عليه وآله عليا أن ينام على فراشه ويتغشى ببردته ، ( 6 )
فبات علي
عليه السلام موطنا نفسه على القتل ، وجاءت رجال قريش من بطونها يريدون قتل
رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما أرادوا أن يضعوا عليه أسيافهم لا يشكون أنه
محمد فقالوا : أيقظوه
ليجد ألم القتل ، ويرى السيوف تأخذه ، فلما أيقظوه فرأوه عليا تركوه ، وتفرقوا
في طلب رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأنزل الله عزوجل " ومن الناس من يشري نفسه
ابتغاء
مرضات الله والله رؤوف بالعباد ( 7 ) " .
15 - ما : جماعة ، عن أبي المفضل ، عن محمد بن الحسين بن حفص ، عن محمد
* ( هامش ) * ( 1 ) البقرة : 207 .
( 2 ) مجالس ابن الشيخ : 285 .
( 3 ) في المصدر : الجليل بن اسود النوشجانى قال : حدثنا أبوزيد سعيد بن اوس يعنى
الانصارى النحوى .
( 4 ) مجالس ابن الشيخ : 285 .
( 5 ) وصفه في المصدر بالباغندى ووصف محمد بن الصباح بالجرجانى ومحمد بن كثير
بالمدائنى
أقول : عوف الاعرابى هو عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى أبوسهل البصرى المعروف
بالاعرابى ، واسم ابى جميلة بندويه ، ويقال : هو اسم امه ، واسم أبيه رزينه ، وثقه
العامة في
كتب تراجمهم ، مات في 146 - او - 147 . راجع تهذيب التهذيب 8 : 166 ، والتقريب :
403
وخلاصة التهذيب : 253 .
( 6 ) في المصدر ، يتوشح ببردته .
( 7 ) مجالس ابن الشيخ : 285 .
[ 56 ]
ابن عبيد ( 1 ) ، عن أبي يحيى التيمي ( 2 ) ، عن عبدالله بن جندب ، عن أبي ثابت ،
عن
أبيه ، عن مجاهد قال : فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول الله صلى الله عليه وآله
في الغار فقال
عبدالله بن شداد بن الهاد ( 3 ) : وأين أنت من علي بن أبي طالب حيث نام في مكانه و
هو يرى أنه يقتل ؟ فسكتت ولم تحر جوابا ( 4 ) .
أقول : سيأتي في باب أحوال إبليس ، عن جابر الانصاري ، عن النبي صلى الله عليه وآله
أنه قال : تمثل إبليس لعنه الله في أربع صور - إلى أن قال : - تصور يوم اجتماع
قريش في دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد ، فأشار عليهم في النبي صلى الله عليه
وآله بما
أشار ، فأنزل الله تعالى : " وإذ يمكر بك الذين كفروا " الآية .
16 - ما : أبوعمرو ، ( 5 ) عن ابن عقدة ، عن الحسين بن عبدالرحمن الازدي
عن أبيه ، عن عبد النور بن عبدالله بن المغيرة القرشي ، عن إبراهيم بن عبدالل